بقلم خيرالله خيرالله – خمسون دولارا… ثمن عينك في غزّة!

18

ليس هناك ما يدلّ على مدى التدهور الفلسطيني على كلّ صعيد اكثر من صورة. ظهر في تلك الصورة المستفزّة عشرات الفلسطينيين من الجرحى والمعاقين الذين أصيبوا في ما سميّ «مسيرة العودة الكبرى» التي كانت وراءها حركة «حماس». كان هناك الاعمى والمصاب بشلل وذلك الذي تعرض الى إصابة جعلت منه معاقا دائما. جمعت «حماس» كلّ هؤلاء في غزة في لقاء تحت عنوان كبير: « توزيع 50 دولارا مكرمة عيد الأضحى المبارك».

من اجل خمسين دولارا، تحصل عليها في مناسبة قرب حلول عيد الأضحى تفقد عينك او رجلك او يدك او تسير على عكازين او على كرسي نقال. هل هذه نهاية الشعب الفلسطيني الذي تحوّل وقودا لحركات متخلّفة تنشر ثقافة الموت على شاكلة «حماس» وغيرها؟

يمكن قول الكثير عن ياسر عرفات وعن الأخطاء التي ارتكبها، خصوصا في لبنان وقبل ذلك الأردن، ثمّ بعد عودته الى رام الله في العام 1994 بعد توقّف في غزّة. لكنّ ما لا يمكن تجاهله انّه كان يفكّر دائما بالتعليم وفي عدد خريجي الجامعات من الفلسطينيين في مختلف انحاء العالم. كانت لديه لائحة تضمّ عدد المهندسين والأطباء والمحامين والناجحين في ميادين معيّنة من أبناء الشعب الفلسطيني الذي كان يمتلك مشروعا وطنيا اوصله الى أبواب القدس. من كان يحلم يوما بانّ «أبو عمّار» سيعود يوما الى ارض فلسطينية ويدفن فيها لو لم يمتلك في مرحلة معيّنة فكرا براغماتيا وعمليا وواقعيا اوصله الى توقيع اتفاق أوسلو الذي لم يستطع البناء عليه؟

يعود ذلك الى أسباب فلسطينية وأخرى مرتبطة بالتعنت الإسرائيلي. لكنّ الاهمّ من ذلك كلّه كانت العمليات الانتحارية لـ»حماس» التي ادّت الى تغيير طبيعة المجتمع الإسرائيلي تغييرا جذريا نحو مزيد من التطرّف والرغبة في استمرار الاحتلال…

الأكيد ان ما تقوم به «حماس» لا يقتصر على خدمة الاحتلال الإسرائيلي فحسب، بل يتجاوز ذلك الى رغبة في تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني أيضا. يحصل هذا التغيير نحو الأسوأ وذلك كي تصبح غزّة مجرّد «امارة إسلامية» لا مكان فيها سوى للجهل والتخلّف والتزمّت على كلّ صعيد.

اذا كشفت الصورة، التي ظهر فيها فلسطينيون يتسلمون 50 دولارا «مكرمة» في مناسبة قرب حلول عيد الأضحى شيئا، فهي كشفت الحال المزرية للمجتمع الفلسطيني في غزّة. لم يعد هناك مكان للمنطق ولا لكلمة حقّ تقال ولا لسؤال من نوع كيف يمكن للصواريخ التي في غزّة لعب دور في تحرير أي ارض فلسطينية؟

1 Banner El Shark 728×90

كانت «مسيرة العودة الكبرى» مهزلة المهازل. أرسلت «حماس» العام الماضي آلاف الفلسطينيين في اتجاه الأراضي الإسرائيلية، التي هي أراضي فلسطين التاريخية. طلبت من هؤلاء اقتحام الحدود. كان الرد الإسرائيلي وحشيا الى ابعد حدود واسفر عن مقتل العشرات واصابة المئات بجروح. في الوقع، لم يكن من هدف لتلك المسيرات التي شكلت «مسيرة العودة الكبرى» سوى تكريس ثقافة الموت في المجتمع الفلسطيني وترسيخها. لم تعد لدى المجتمع الفلسطيني قيمة للإنسان. صار الهدف تأليه الموت بعيدا عن كلّ ما له علاقة بالفكر العقلاني من جهة والسعي الى الاستفادة من الواقع من جهة أخرى. تعني الاستفادة من الواقع اوّل ما تعنيه الاعتراف بانّ إسرائيل انسحبت من كلّ غزّة في مثل هذه الايّام من العام 2005. كان في الإمكان التعاطي مع هذا الانسحاب بما يؤكّد ان الفلسطينيين قادرون على بناء دولتهم المستقلّة القابلة للحياة والردّ بذلك على الشعار الذي رفعه ارييل شارون وقتذاك عن ان «لا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه».  كلّ ما فعلته «حماس» التي ما لبثت ان نفذت انقلابا جعلها تسيطر كلّيا على غزة منتصف العام 2007 هو دعم وجهة نظر شارون. اكثر من ذلك، عملت «حماس» كلّ ما تستطيع من اجل فصل غزّة عن الضفّة الغربية بهدف إقامة كيان فلسطيني يتحكّم به الاخوان المسلمون…

بدل العمل على تقديم صورة حضارية عن الشعب الفلسطيني، لجأت «حماس» الى اطلاق الصواريخ التي وفّرت حجة لفرض حصار إسرائيلي على غزّة. مع مرور الايّام، يتبيّن ان هذا الحصار مصلحة مشتركة تجمع بين إسرائيل و»حماس». يستفيد من هذا الوضع شخص مثل الرئيس التركي رجب طيّب اردوغان انضمّ الى «محور المانعة» الذي تتزعمّه ايران والذي لا همّ له سوى المتاجرة بالقضيّة الفلسطينية. ليست التمثيلية التي خطّط لها اردوغان في العام 2010 عندما ارسل سفنا تحمل مواد غذائية بهدف فك الحصار عن غزّة سوى دليل على انضمام تركيا الى جوقة المتاجرين بمأساة الشعب الفلسطيني.

تختزل صورة «مكرمة» الخمسين دولارا الكثير. تقول الصورة ما لا تقوله الف صورة أخرى عن نجاح «حماس» في تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني وتحويله الى مجتمع ذليل ثمن العين فيه، او الإعاقة الدائمة، 50 دولارا!

مؤسف ان تكون «حماس» حققت في السنوات الأخيرة كلّ هذا النجاح الذي لا يصبّ سوى في خدمة إسرائيل التي لم تكلّف نفسها حتّى عناء الردّ على اعلان السلطة الوطنية الفلسطينية وقف العمل بالاتفاقات بين الجانبين. مثل هذا الكلام عن وقف العمل بالاتفاقات من النوع المضحك – المبكي ويكشف في الوقت ذاته انّ السقوط الفلسطيني لا يقتصر على غزّة فقط. يكفي التساؤل كيف يمكن للرئيس الفلسطيني محمود عبّاس الخروج من رام الله وزيارة عمّان، على سبيل المثال، من دون تسهيلات مرور إسرائيلية؟ ان تسهيلات المرور هذه لا تقتصر الاستفادة منها على «ابومازن» وافراد عائلته، بل تشمل أيضا كبار المسؤولين الفلسطينيين الذين عليهم الاتصال بمكتب خاص إسرائيلي في كلّ مرّة يريدون مغادرة الأراضي الفلسطينية او الدخول اليها. لا داعي بالطبع الى التطرّق الى ان ايّ طفل فلسطيني يولد في الضفّة الغربية يجب إدخاله السجلات الإسرائيلية لاسباب عملية وذلك في اطار الاتفاقات بين الجانبين.

في ظلّ حال الجمود التي تسمح لإسرائيل ببناء مزيد من المستوطنات في الضفّة الغربية وفي ظلّ الصمت الاميركي، بل الموافقة الاميركية، على تمدّد الاحتلال الإسرائيلي، تظلّ «حماس» بفكرها الاخواني الحليف الاوّل لليمين الإسرائيلي الذي انعشته عملياتها الانتحارية التي تلت مباشرة توقيع اتفاق أوسلو في خريف العام 1993… قبل ما يزيد على ربع قرن.

تقول صورة الماضي الفلسطيني، التي كان يظهر فيها شاب درس في اكبر جامعات العالم وأكثرها رقيّا، بما في ذلك الجامعة الاميركية في بيروت، الكثير عن الآمال التي كان يعلقها الفلسطينيون على جيلهم الجديد. في المقابل، تعكس صورة الفلسطيني الذي ينتظر «مكرمة» الخمسين دولارا حال التدهور التي اصابت احدى القضايا القليلة الذي لا يزال يشرّف الانسان الوقوف الى جانبها في العالم. ولكن ما العمل في منطقة انتصرت فيها ثقافة الموت على ثقافة الحياة ليس في فلسطين وحدها، بل في لبنان أيضا؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.