بقلم خيرالله خيرالله – رفعت الأسد… عودة الابن الشرعي للنظام

60

يتذكّر اللبنانيون ممارسات رفعت الأسد في بلدهم، خصوصاً في مرحلة ما قبل الاجتياح الإسرائيلي صيف العام 1982، عندما كانت لديه قوات تابعة له شخصيّاً في نقاط عدّة، بينها ملعب نادي النهضة الرياضي في رأس بيروت. كذلك يتذكّر اللبنانيون كلّ الممارسات السيئة لرفعت الذي كان لديه وزراء في الحكومة اللبنانية وكانت لديه تنظيمات حزبيّة تضمّ لبنانيين تولّوا تغطية خطف عناصر سوريّة للقائم الأردني في بيروت هشام المحيسن في السادس من شباط –فبراير من العام 1981 بأن أصدروا بيانًا يبرّر الخطف.

عاد رفعت الأسد، الذي يبلغ الـ 84 من العمر أخيراً إلى سوريا. كان جزءاً لا يتجزّأ من نظام أساء إلى بلده وأساء إلى لبنان في الوقت ذاته. ليست عودته حدثاً مهمّاً في حدّ ذاته، خصوصاً أن الرجل انتهى منذ سنوات طويلة ولم يعد لديه أتباع في سوريا سوى في أوساط علويّة معادية للنظام بشكله الحالي، وهي أوساط، كانت مستفيدة منه لا يمكن الاستخفاف بها وبما تمثّله على مستوى الطائفة الحاكمة.

كان الوجود العلوي لرفعت سبباً كافياً كي تتأخّر عودة شقيق الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد إلى بلده الأصلي في الظروف الراهنة. لكنّ هذا السبب زال بعد تقديم رفعت ضمانات إلى النظام سمحت له بتجنب تمضية الأيّام الأخيرة من حياته في سجن فرنسي. كان سيدخل السجن بعدما صدر في حقه حكم عن إحدى المحاكم الفرنسيّة في قضايا متعلّقة بجمع ثروة بطريق غير شرعيّة استخدمها في شراء عقارات. كذلك، دين رفعت في قضايا ذات علاقة بالتهرب من دفع الضرائب وتبييض الأموال. ليس سماح فرنسا لرفعت بالعودة إلى سوريا سوى دليل آخر على فشلها السياسي إن في لبنان أو في سوريا.

على الرغم من فقدان رفعت الأسد لأيّ أهمّية على صعيد سوريا ككل، باستثناء الوجود العلوي، يبقى أنّ عودته ترمز إلى المأساة السورية بكل أبعادها. يعود ذلك إلى الدور الذي لعبه في الـ51 الماضية وحتّى في مرحلة ما قبل الانقلاب الذي نفّذ على مراحل والذي مهّد لتولي حافظ الأسد السلطة كلّها ابتداء من السادس عشر من تشرين الثاني –نوفمبر 1970.

تعبّر عن هذه المأساة السوريّة عائلة علويّة استولت على السلطة  في 1970 وما زالت تحتفظ بها، وإن شكلًا، بغض النظر عن الوصايتين الإيرانية والروسيّة والاحتلالات الخمسة للبلد.

لماذا يمكن القول إن رفعت الأسد جزء لا يتجزّأ من المأساة السورية؟ الجواب أنّ في النفوذ الذي استطاع ممارسته في مرحلة معيّنة واضطرار حافظ الأسد إلى إبعاده عن البلد للمرّة الأولى في العام 1984، بعد تعيينه نائباً للرئيس من أجل إجباره على رفع قبضته عن “سرايا الدفاع”. بعث به ليعيش في موسكو مع مبلغ كبير من المال وفّره معمّر القذافي في مرحلة كان فيها على علاقة وثيقة بالنظام السوري. كانت هذه العلاقة في إطار التحالف الذي أقامه حافظ الأسد مع النظام الإيراني طوال الحرب الذي خاضتها “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران مع العراق بين 1980 و1988.

قبل وصول شقيقه إلى موقع الرجلّ الأوّل والوحيد في سوريا في خريف 1970، لعب رفعت، بصفته القوّة الضاربة لدى وزير الدفاع حافظ الأسد دوراً في مقاومة الخصوم وتخويفهم. كان بين أبرز الخصوم الضابط العلوي الآخر صلاح جديد ومسؤول الأمن عبد الكريم الجندي (اسماعيلي). يُروى أنّ الجندي انتحر في العام 1969!

لسنوات طويلة، وقبل محاولته الانقلاب على حافظ الأسد في تشرين الثاني –نوفمبر 1983، إثر تعرّض الأخير لنوبة قلبية وإدخاله غرفة العناية الفائقة، كان رفعت الأسد بمثابة دولة داخل الدولة السوريّة. وقف على رأس جيش خاص به هو سرايا الدفاع. شاركت سرايا الدفاع ابتداء من العام 1979 بكلّ المعارك دفاعاً عن النظام، بما في ذلك ملاحقة الإخوان المسلمين وصولاً إلى مجزرة تدمر، مروراً بمجزرة حماة في شباط –فبراير 1982. سمح له ذلك بخوض مغامرة الخلافة متجاهلاً أنّ حافظ الأسد وأفراد عائلته، بمن في ذلك آل مخلوف (أهل زوجته) كانوا يعملون كي يكون باسل حافظ الأسد، الذي قتل في حادث سير في العام 1994، الوريث.

مع مقتل باسل، بدأ الإعداد لوريث آخر هو الابن الثاني بشّار الأسد. ومع صعود نجم بشّار، أُبعد رفعت مجدداً من سوريا التي كان عاد إليها في 1992  بحجة وفاة والدته ناعسة. يروي ديبلوماسي كبير كان في سوريا في تلك المرحلة أن رفعت طلب مراراً من السفير الأميركي زيارته في مكاتبه التي يُمارس منها دور نائب رئيس الجمهوريّة. لكنّ السفير الأميركي الحاذق استغلّ فرصة لقاء بين حافظ الأسد واثنين من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي ليسأل الأسد الأب عن جدوى زيارة رفعت. أجابه الأسد الأب أن شقيقه الأصغر “شخص غير ناضج”، وأن توفير مكاتب له وعدد كبير من الموظفين كي يمارس دور نائب الرئيس “لا يستهدف سوى مراقبة نشاطاته بطريقة أفضل”.

لم يكن رفعت الأسد يوماً سوى أداة عند حافظ الأسد، مهما ادّعى في مجالسه الخاصة أنّه لولاه، لما وصل حافظ الأسد إلى السلطة يوماً ولما بقي فيها.

إذا وضعنا جانباً ممارسات الرجل في سوريا نفسها، فإنّ ما قامت به جماعته في لبنان يدلّ على أنّه لم يكن يوماً أكثر من رجل شارع. لم يكن سوى إبن شرعي للنظام القائم منذ 1970.

تفسّر هذه الممارسات سبب وصول سوريا إلى ما وصلت إليه من جهة وإلى أن المشكلة في نظام لا يهمّه، من جهة أخرى، سوى البقاء بأيّ ثمن كان… حتّى لو لم يبق سوري واحد حيّاً… حتّى لو بقيت سوريا تحت خمسة احتلالات، وحتّى لو بقي الجولان المحتلّ في العام 1967 في يد إسرائيل سنوات طويلة أخرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.