بقلم خيرالله خيرالله – «عهد حزب الله» شبه انتهى

68

من اخطر ما يحدث في لبنان حاليا هو ذلك العجز لدى رئاسة الجمهورية على استيعاب معنى الذي يحصل في الشارع منذ السابع عشر من تشرين الاوّل – أكتوبر الماضي، أي منذ نحو شهرين من جهة وعمق الازمة الاقتصادية التي تشمل النظام المصرفي من جهة أخرى.
يبقى الأخطر من ذلك كلّه، العجز الآخر عن فهم المعادلات الإقليمية بتأثير من أوهام يروّج لها «حزب الله». أوهام من نوع الكلام عن السوق العراقية الواعدة للاقتصاد اللبناني، في وقت ينتفض العراق كلّه ضدّ ايران…
ليس ما يحدث في الشارع اللبناني حدثا عابرا. لو كان كذلك، لما كانت الثورة مستمرّة بطريقة او باخرى في كلّ المناطق اللبنانية، بما في ذلك المناطق ذات الأكثرية المسيحية والمناطق التي تقع تحت سيطرة «حزب الله» في الجنوب والبقاع. هناك بكل بساطة استيعاب لدى اللبناني العادي لواقع يتمثّل في انّ شيئا ما يجب ان يتغيّر في العمق في البلد. هناك استيعاب لواقع آخر فحواه انّ ليس صحيحا ان الامر يتعلّق بتصفية حسابات مع سعد الحريري من اجل اثبات القدرة على تغيير «اتفاق الطائف» ومن اجل استعادة حقوق المسيحيين. ان المسيحيين يقفون في مقدم الثوار، كذلك الشيعة. هذا يؤكّد ان الازمة التي يمرّ فيها لبنان اعمق بكثير مما يعتقد ولا يمكن معالجتها برئيس لمجلس الوزراء من نوع سمير الخطيب او من علي شاكلته. لو كان الامر كذلك، لكان مرّ محمد الصفدي ولكان في الإمكان تمرير شخص مثل فؤاد مخزومي، لا يزال يوجد من يعتقد ان لديه علاقات عربية ودولية.
ثمة حاجة الى اعتماد المنطق والهدوء والابتعاد عن الاوهام. يقول المنطق انّ حقوق المسيحيين لا تستعاد بسلاح «حزب الله». هذا السلاح، إضافة الى ممارسات الحزب في لبنان وخارج الأراضي اللبنانية، تسبب في افقار لبنان. ادّي سلاح الحزب وممارساته الى افقار المسيحيين والمسلمين في الوقت ذاته. لو لم يكن الامر كذلك، لما كان ذلك التململ في كلّ الاوساط اللبنانية وكل الطوائف والمذاهب من دون استثناء.
يقول المنطق أيضا ان «عهد حزب الله» يقترب من نهايته. استطاع الحزب الوصول الى هذا العهد بعدما فرض رئيس الجمهورية الذي يريده وبعد انتخابات نيابية بموجب قانون عجيب غريب فرضه على اللبنانيين بما امّن له أكثرية نيابية يتبجّح بها قاسم سليماني قائد «لواء القدس» في «الحرس الثوري» الايراني.
في الواقع، لا توجد أي مقومات لنجاح عهد يتحكّم به «حزب الله». هذا عائد الى ان الحزب لا يرى في لبنان سوى «ساحة». لبنان، بالنسبة الى الحزب، ورقة إيرانية لا اكثر.
كذلك، يقول المنطق انّ لبنان لا يستطيع العيش في معزل مع ما يدور في المنطقة. من يمتلك حدّا ادنى من الفهم في السياسة الإقليمية والدولية يعرف انّ ايران الحالية، أي «الجمهورية الإسلامية» التي أسسها آية الله الخميني في العام 1979، هي ماضي المنطقة وليس مستقبلها. لو كان لدى ايران أي مشروع حضاري سياسي او اقتصادي او اجتماعي يمكن تصديره، لما كان العراق كلّه في ثورة على وجودها فيه ولما كان عادل عبد المهدي اضطر الى تقديم استقالة حكومته. ليس لدى ايران ما تصدره سوى الميليشيات المذهبية. ما يدفعه لبنان هو ثمن السياسة الايرانية التي ظنّت انّها سيطرت على البلد نهائيا بعد العام 2016، أي بعد وصول مرشّح «حزب الله» الى قصر بعبدا.
لا حاجة الى كلام كبير من نوع الحرب على الفساد او الحاجة الى حكومة ميثاقية لتغطية الكارثة التي اسمها «عهد حزب الله» الذي يسيطر عليه، ظاهرا، جبران باسيل الذي يظنّ ان الطريق الى قصر بعبدا يمرّ بطهران. الحاجة حاليا الى انقاذ ما يمكن إنقاذه من لبنان. الحاجة الى التعاطي مع الواقع بدل الهرب منه عن طريق رفع شعارات مضحكة مبكية عن الوحدة الوطنية وتمثيل كل المكونات اللبنانية في الحكومة المقبلة او المحافظة على سلاح «المقاومة».
في أساس الانهيار الاقتصادي الذي فرض على المصارف اتخاذ إجراءات معيّنة لا سابق لها في تاريخ لبنان، منذ ما قبل الاستقلال، عوامل عدّة. من بين هذه العوامل العقوبات الاميركية على ايران واذرعتها، وبالتالي على «حزب الله». كذلك، لا يمكن تجاهل ان لبنان صار معزولا عربيا منذ سنوات عدّة. جعل «حزب الله» المواطن الخليجي غير مرغوب به في لبنان. إضافة الى ذلك، خفت الى حدّ كبير تحويلات اللبنانيين المقيمين في الخليج. فوق ذلك كلّه، لا يمكن تجاهل ان الدولار الموجود في السوق اللبنانية بات حاجة سورية ايضا. هذا ما يفسّر الى حدّ كبير الشحّ في العملات الصعبة في لبنان.
يستحيل التعاطي مع الازمة اللبنانية بمفاهيم ما قبل ثورة 17 تشرين. هناك صفحة طويت. من يعتقد ان سمير الخطيب او ما يشبهه يستطيع فتح صفحة جديدة، انّما يعيش في ماض بعيد. بكلام أوضح، هناك امل ضعيف في انقاذ الوضع الاقتصادي والحؤول دون الانهيار النهائي. يكمن هذا الامل الضعيف في تشكيل حكومة على رأسها شخص قادر على التعاطي مع الاميركيين والأوروبيين والعرب. مثل هذه الحكومة لا يمكن ان تضمّ ممثلين لاي طرف سياسي، خصوصا «حزب الله». انّ الحزب مرفوض اميركيا وأوروبيا وعربيا. امّا «التيّار الوطني الحر» الذي لا حاجة الى وقائع تؤكد فشله، فهو ليس، من وجهة النظر العربية والاميركية، سوى أداة من أدوات «حزب الله». تسلّم «التيّار» ملف الكهرباء منذ احد عشر عاما. ما الذي تحقّق الى الآن؟ لم يتحقّق شيء. كلّ ما في الامر ان سيطرة مافيا اصحاب المولدات الكهربائية تعزّزت اكثر في ظلّ ما يسمّى «العهد القوي»!
هناك ثورة شعبية مستمرّة في لبنان. هل يريد «عهد حزب الله» القائم منذ 2016 اخذ العلم بذلك؟ حتّى لو همدت هذه الثورة، لا مفرّ من الاعتراف بأن تغييرا في العمق حصل فعلا. مع هذا التغيير، لا يمكن بأي شكل العودة الى تشكيل حكومات على الطريقة القديمة وتسجيل نقاط على اتفاق الطائف، عن طريق تأخير موعد الاستشارات النيابية الملزمة.
هناك عهد شبه منتهٍ لا اكثر ولا اقلّ. انتهى هذا العهد، تقريبا، في وقت تشهد المنطقة كلّها تغييرات كبيرة. تشمل هذه التغييرات الداخل الايراني حيث لم تهدأ الثورة على الرغم من اللجوء الى القمع الشديد لإسكاتها. الاهمّ من ذلك كلّه ان العراق حيث سيتحدّد مستقبل النظام في ايران في حال غليان. في العراق ثورة على ايران وهذا ما يُفترض ان يعيه كلّ من يفكّر في مستقبل لبنان…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.