بقلم خيرالله خيرالله – في ذكرى احتلال الكويت… عودة الغباء

50

يبقى الاحتلال العراقي للكويت في الثاني من آب – أغسطس 1990، أي قبل ثلاثين عاما، احدّ اهمّ الاحداث التي شهدتها المنطقة العربية… وصولا الى حدث الاحتلال الأميركي للعراق في ربيع العام 2003. غيّر الاحتلال الأميركي للعراق التوازن الإقليمي في المنطقة عن بكرة ابيه. لم يسقط العراق فحسب، بل سقطت سوريا وسقط لبنان أيضا.

لم يكن الاحتلال الأميركي للعراق ممكنا، لو كان في العراق، حتّى السنة 2003، عقل سياسي يعرف شيئا عن الموازين الإقليمية والدولية بعيدا عن الانفعال والعشوائية والتصريحات والخطابات الفارغة.

قرأت شخصيا، واعدت قراءة محضر اللقاء الذي حصل بين السفيرة الأميركية في بغداد ابريل غلاسبي والرئيس العراقي، وقتذاك، صدّام حسين. ليس في محضر اللقاء بينهما قبل ايّام من احتلال الكويت، خلافا لما حاول بعض العرب الجهلة الترويج له، لاي ضوء اخضر أميركي اعطي الى صدّام. كان هناك خلاف حدودي له طابع نفطي بين البلدين. دعت غلاسبي الى تسويته في ما بينهما، مشيرة الى ان لا رغبة أميركية في التدخل في خلافات بين بلدين عربيين جارين. كيف يمكن لشخص يتعاطى في السياسة فهم ذلك بطريقة توحي ان لا اعتراض اميركيا على احتلال الكويت. ذهبت السفيرة الأميركية في عطلتها السنوية… وذهب صدّام حسين الى الكويت!

بعد ثلاثة عشر عاما على دخوله الكويت أُعدم صدّام حسين. لعب دوره في تغيير المنطقة والعراق نحو الأسوأ. كان في استطاعة الاميركيين التخلّص منه سريعا. كانت طريق بغداد مفتوحة امام الجيش الاميركي في شباط – فبراير 1991  بعدما تحررت الكويت وعادت الى اهلها. لكنّ الاميركيين فضلوا الانتظار كلّ هذا الوقت من اجل الانتقام. كانت لديهم رغبة في الانتقام من العراق. لم يصبروا كلّ هذا الوقت حبّا بصدّام حسين، بل رغبة منهم في تفتيت العراق بعد حصار طويل لعب دوره في هلهلة نسيج المجتمع وفي إقامة نظام جديد.

يتبيّن انّ هذا النظام الجديد الذي في أساسه وجود «أكثرية شيعية في العراق» وان العراق «بلد فيديرالي»، ليس من النوع القابل للحياة. سيظهر قريبا هل سيتمكن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، الذي لا ينتمي الى الأحزاب المذهبية الموالية لإيران في مقدّمها «حزب الدعوة الإسلامية»، سيتمكن من انقاذ ما يمكن إنقاذه من العراق ومن اظهار ان في الإمكان إعادة الحياة الى النظام الذي أقامه الاميركيون في 2003.

يبقى ان الاحتلال العراقي للكويت كشف قبل كلّ شيء التماسك داخل العائلة الكويتية. لم يجد صدّام حسين كويتيا يقبل التعاون معه. اثبت انّه لا يعرف شيئا عن الكويت الذي حوّله الى محافظة عراقية. عرف الثلاثي المؤلّف من الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد والشيخ سعد العبدالله الذي كان وليّا للعهد ثم اميرا للدولة قبل وفاته، والأمير الحالي الشيخ صباح الأحمد، اطال الله عمره، كيف إدارة معركة استعادة الكويت. الأكيد انّه لولا وجود إرادة كويتية صلبة، من المواطن العادي وصولا الى الأمير وكبار الاسرة وكلّ كويتية وكويتي، لما تحرّرت الكويت بالطريقة التي تحرّرت بها بدعم عربي ودولي. لا يمكن في هذا المجال الاستهانة بالدور الذي لعبه الملك الراحل فهد بن عبد العزيز الذي استوعب سريعا معنى الاحتلال العراقي للكويت وابعاده على الصعيد الإقليمي، فضلا عن خطورته على كلّ دولة من دول المنطقة.

المفارقة انّ هناك من تعلّم من تجربة العراق في الكويت وهناك من رفض ان يتعلّم. لو عرف صدّام حسين ان يتعلّم لما كان انتهى تلك النهاية البشعة. في المقابل، عرف حافظ الأسد، الذي كان يحكم سوريا، كيف يستفيد الى ابعد حدود من الخطأ القاتل لغريمه في العراق. جعل سوريا جزءا من التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة من اجل الحاق هزيمة بالجيش العراقي في الكويت. كانت المشاركة السورية رمزية، لكن مردودها السياسي كان كبيرا، خصوصا في لبنان حيث كان ميشال عون بصفة كونه رئيسا لحكومة موقتة يديرها من قصر بعبدا، يراهن على انتصار لصدّام حسين. بفضل المشاركة، الى جانب القوات الاميركية في معركة تحرير الكويت، بسط حافظ الأسد سيطرته على كلّ لبنان. سمحت له المشاركة في تحرير الكويت بإخراج ميشال عون من قصر بعبدا…

مؤسف ان بشّار الأسد، الذي ورث سوريا عن والده، لم يتعلّم شيئا، لا من دهاء حافظ الأسد ولا من الغباء السياسي لصدّام حسين. لم يتعلّم شيئا أيضا من درس الكويت ومن ان هناك من هو مستعد للصبر عليه ما دامت مهمتّه تفتيت سوريا… وهذا ما يحصل بالفعل.

متى تنتهي مهمّة بشّار الأسد الذي ارتكب بتغطيته، جريمة اغتيال رفيق الحريري قبل خمسة عشر عاما،  جريمة في حجم جريمة احتلال صدّام حسين الكويت؟

ليست لائحة العقوبات الاميركية التي صدرت امس الأربعاء، وشملت حافظ بشّار الأسد، سوى دليل آخر على ان الضغوط على النظام السوري مستمرّة وانّه لن يفلت من العقاب.

مثلما كانت لدى صدّام حسين مهمّة، يبدو ان لبشّار الأسد مهمّة عليه  بدوره القيام بها. كلّ ما يمكن قوله مسكين العراق ومسكينة سوريا… ومسكين لبنان الذي عليه ان يدفع فواتير مترتبة على تصرّفات رجل يرفض ان يتعلّم. لا يريد بشّار ان يتعلّم، ولو القليل، من تجربة والده، على الرغم من سيئاتها التي لا تحصى، ولا من تجربة مرّة مثل المغامرة المجنونة لصدّام حسين في الكويت. استعاد غباء صدّام ونسي دهاء والده.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.