بقلم: خيرالله خيرالله – قبل دعوة العرب الى مساعدة لبنان

57

ستطول الازمة اللبنانية في ظل وضع اقتصادي على شفا الانهيار من جهة وفي غياب من هو قادر على استيعاب متطلبات المرحلة الراهنة داخليا، إضافة الى المعطيات العربية والدولية من جهة اخرى. هناك، فوق ذلك كلّه، ثورة شعبية في لبنان في حاجة الى من يفهم مغزاها على اعلى المستويات بدل الاستمرار في حال الانكار للواقع والتنكر له.

مؤسف ان يكون هذا هو الواقع اللبناني ومؤسف اكثر ان يكون هناك من يرفض التعاطي، على نحو عملي، مع هذا الواقع المتمثل في الحاجة الى حكومة تكنوقراط قادرة على اقناع العرب والعالم بانّ لبنان تغيّر. لا حاجة الى عباقرة للاقتناع بانّ أحدا لن يهبّ الى مساعدة لبنان، اقلّه، من اجل تمرير المرحلة الراهنة باقلّ مقدار من الخسائر، في حال بقي البلد اسير ايران وسياساتها وادواتها وأدوات ادواتها. هذا بكلّ صراحة. على من يدعو العرب الى مساعدة لبنان عن طريق وديعة او ودائع في البنك المركزي (مصرف لبنان)، لا تتجاوز قيمتها ثلاثة او أربعة مليارات دولار، الاقتناع اوّلا ان هذا لن يحصل ما دام «حزب الله» او ادواته في الحكومة. ليس مقبولا ان يكون لبنان خنجرا إيرانيا يطعن العرب، خصوصا اهل الخليج في الظهر. هل لبنان بلد عربي ام لا؟ هل هو قاعدة إيرانية ام لا؟ هل هو حرّ مستقلّ ام لا؟

قبل الكلام عن وديعة عربية في مصرف لبنان، من الضروري التساؤل لماذا يتنطح الأمين العام لـ»حزب الله» وغيره لمهاجمة المملكة العربية السعودية ودول عربية أخرى بوقاحة ليس بعدها وقاحة؟ اكثر من ذلك، هل طبيعي ان تكون بيروت المدينة الثانية، من حيث الاهمّية، سياسيا واعلاميا، لحركة مثل حركة الحوثيين في اليمن؟

لا يقتصر الامر على الحوثيين الذين يسمّون انفسهم «انصار الله»، بل هناك حركات كثيرة تُعتبر أدوات إيرانية اتخذت من بيروت قاعدة لها بغطاء من «حزب الله»، أي من ايران. يذكر ذلك بتلك الايّام التي كان الفلسطينيون يسيطرون فيها على جزء من بيروت. حولوا وقتذاك، أي قبل العام 1982، لبنان وعاصمته بالذات قاعدة لمنظمة «بادر ماينهوف» الألمانية المتطرّفة او لـ»الجيش الأحمر» الياباني او لـ»الجيش السرّي الأرمني» الذي كان في واقع الحال يعمل في خدمة الاجهزة السورية في الحرب غير المعلنة الدائرة مع تركيا…

هل هذا لبنان المطلوب ان يساعده العرب؟ على من يطلب مساعدة العرب من اجل انقاذ الاقتصاد اللبناني، او لاعطاء هذا الاقتصاد فسحة امل يتنفس خلالها ولو لفترة قصيرة، التفكير مليّا في ما آل اليه البلد في «عهد حزب الله». هناك قناعة عربية وأميركية وأوروبية بانّ لبنان يعيش في مثل هذا العهد. اخطر ما في الامر ان في واشنطن مدرسة سياسية بدأت تقول ان ليس مهمّا ما يحلّ بلبنان وان على اللبنانيين ان يتدبّروا امورهم بأنفسهم. في النهاية هل يستطيع لبنان الانتصار على الدولار الذي هو السلاح الاميركي الأقوى؟ هل يستطيع لبنان اثبات انّه لا يزال يسيطر على كلّ أراضيه سيطرة كاملة وان كلّ كلام عن «المقاومة» ليس سوى تغطية لواقع عنوانه السيطرة الايرانية على البلد؟

بكلام أوضح، يُفترض في «حزب الله» الاقتناع بانّه أوصل لبنان الى عزلة عربية… والى وضع ادّى الى فرض عقوبات على المصارف اللبنانية، او اقلّه فرض رقابة شديدة عليها. هذا ما ادّى، بين أسباب أخرى مثل حاجة السوق السورية الى الدولار، الى الاجراءات الأخيرة التي اتخذتها المصارف اللبنانية ومصرف لبنان من اجل تفادي الانهيار الكامل. هذه إجراءات في غاية الخطورة على النظام المصرفي اللبناني الذي تميّز تاريخيا بحرية إيداع الاموال فيه وسحبها متى شاء صاحب المال، بغض النظر عن المكان الذي يقيم فيه.

كان البنك اللبناني – الكندي الذي شُطب من لائحة المصارف اللبنانية الإنذار الاوّل. من لم يفهم معنى الاجراءات التي اتخذته اميركا في حقّ اللبناني – الكندي، رفض ان يفهم لاحقا الرسالة الثانية، بين رسائل أخرى، والمتمثلة في العقوبات على جمّال تراست بنك. وهذه عقوبات جمّدت نشاطات هذا المصرف.

يتلخّص الموضوع الأساسي في لبنان بسؤال قصير؟ هل من مخرج من الازمة الراهنة؟ يصعب الكلام عن مخرج في غياب من يستوعب خطورة الوضع والحاجة الى الذهاب فورا الى حكومة تكنوقراط وليس الى حكومة تتمثّل فيها الأحزاب، خصوصا «حزب الله».

لا وجود لمخرج آخر للبنان في حال كان مطلوبا انقاذ ما يمكن انقاذه. لن يقتنع أي طرف عربي بانّ لبنان بلد حرّ عربي مستقل في غياب مثل هذه الحكومة بعيدا عن الكلام الفارغ عن «المقاومة» والحاجة اليها. ليس هذا الكلام سوى تبرير، لا يقبله أي عربي، لبقاء لبنان تابعا لما يسمّى «محور الممانعة»، أي اسير ايران. اين مصلحة لبنان في ذلك؟ لا مصلحة له في ذلك باي شكل من الاشكال. هذا يعود لسبب بسيط نظرا الى انّ لا فائدة من ايران التي لم تصدّر الى لبنان سوى ميليشيا مذهبية وصلت في العام 2014، بالتزامن مع سيطرة الحوثيين على صنعاء الى اغلاق مجلس النوّاب لمنع انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية. بقي مجلس النواب مغلقا سنتين ونصف سنة الى ان انتخب مرشّح «حزب الله» رئيسا للجمهورية.

مرّت قبل ايّام الذكرى الـ50 لتوقيع اتفاق القاهرة المشؤوم، كذلك مرّت الذكرى الثالثة لبداية «عهد حزب الله». لا شكّ ان الصيغة اللبنانية صلبة. لو لم يكن الامر كذلك، لما كان بقي هناك بلد من ايّ نوع بعد نصف قرن على اتفاق القاهرة الذي جلب كلّ المصائب على لبنان. صمد لبنان طويلا، لكنّ صموده لم يعد مضمونا في ظلّ «عهد حزب الله». هذا ما يدركه المواطنون العاديون الذين نزلوا الى الشارع منذ السابع عشر من تشرين الاوّل – أكتوبر الماضي بعدما اوصلهم «عهد حزب الله» الى مرحلة اليأس من كلّ رجال الطبقة السياسية. الأكيد ان الوضع ليس سهلا في لبنان، لكن الاكيد أيضا ان هناك حاجة الى من يتحمّل مسؤولياته وان يقول الامور كما هي وان يثبت ان مستقبل البلد يهمّه وانّ لبنان ليس مجرد مستعمرة إيرانية.

لا حاجة الى عبقرية زائدة لاثبات ذلك، بمقدار الحاجة الى الاقتناع بان الامل الوحيد للبنان، هذا اذا كان هناك امل، هو حكومة تكنوقراط تحترم نفسها تستطيع اقناع العرب القادرين، وعبرهم اميركا ان شيئا ما تغيّر في العمق في الوطن الصغير، حيث ثورة حقيقية، وان لبنان يستحقّ بالفعل الحياة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.