بقلم خيرالله خيرالله – قبل سقوط لبنان… كان السقوط المسيحي

178

في الذكرى الـ78 لاستقلال لبنان، مع دخول “العهد القوي” سنته الأخيرة، يُفترض في اللبنانيين إدراك أنّ درب العذابات لم ينتهِ بعد. لا قعر للانهيار اللبناني. تنتظر اللبنانيين عذابات السنة الأخيرة التي مصدرها رجل لن يقبل بمغادرة قصر بعبدا، بل يعتقد أن رئاسة الجمهوريّة حقّ من حقوقه وحقوق عائلته.

ثمّة مفاجآت كثيرة يُعدها الثنائي ميشال عون – جبران باسيل للبنانيين بعدما تبيّن أن العبارة الصادقة الوحيدة التي صدرت عن رئيس الجمهورية منذ 31 تشرين الأوّل – أكتوبر 2016 هي عبارة “رايحين إلى جهنّم”. كان ميشال عون صادقاً كلّ الصدق بتحويله لبنان إلى جهنّم. جاء، على اأاصحّ، بجهنّم إلى لبنان بعدما اعتقد أنّ في استطاعته استعادة حقوق المسيحيين بسلاح مذهبي في خدمة إيران هو سلاح “حزب الله”. كانت النتيجة كما قال الرئيس أمين الجميّل أن لبنان “يواجه خطر تغيير هويته”.

بوجود ميشال عون، لم يعد السؤال: هل لبنان بلد مستقلّ؟.. بمقدار ما أنّ السؤال: هل لا يزال يوجد بلد اسمه لبنان؟ ما كان تساؤلات في مرحلة ما قبل انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهوريّة جعلت منه السنوات الخمس الماضية واقعاً لا يمكن مقاومته بعد سقوط كلّ مؤسسات الدولة اللبنانية، وكلّ القطاعات المرتبطة بالاقتصاد خصوصاً وطبيعة لبنان بشكل عام. باختصار شديد، فقد لبنان كلّ مقومات وجوده. في مقدّم القطاعات التي انهارت النظام المصرفي، هذا النظام الذي لا يستطيع الثنائي الرئاسي تقدير معنى سقوطه وأبعاد ذلك. لبنان من دون مصارف لم يعد لبنان.

ما هو لبنان في نهاية المطاف؟ لبنان جامعة ومدرسة ومصرف وفندق وخدمات وفضاء حرّ فيه مطبعة وصحيفة. فوق ذلك كلّه، والأهمّ من ذلك كلّه، لبنان، وبيروت تحديداً، مكان يلتقي فيه ناس من كلّ أنحاء العالم ومن كلّ الأديان والطوائف. هذا الالتقاء جعل لبنان غنيّاً انطلاقاً من بيروت ومن رأس بيروت بالذات حيث الجامعة الأميركيّة.

ما لم يدركه “العهد القويّ” الذي هو في الحقيقة “عهد “حزب الله” أنّه لم يبقَّ من لبنان سوى هيكل عظمي وضعته إيران في خدمتها، وفي خدمة مشروع لا أفق له. يتحمّل اللبنانيون جزءاً كبيراً من مسؤولية ما حل ببلدهم من جهة وعدم إدراكهم من جهة أخرى النعمة التي كانوا يعيشون فيها.

يتحمّل المسيحيون الذين اعتبروا أنفسهم “أمّ الصبي” المسؤولية الأكبر عن الكارثة، وذلك عندما اختاروا أسوأ من في مجتمعهم كي يكون صاحب أكبر كتلة في مجلس النوّاب. باختصار شديد، اختار المسيحيون في لبنان الانتحار عندما قرّروا في انتخابات العام 2005، مباشرة بعد اغتيال رفيق الحريري ورفاقه أن يكون ميشال عون زعيمهم. كيف يمكن لمسيحي يتمتع بحد أدنى من العقل والتعقّل أن يختار شخصاً مثل ميشال عون كي يكون الرجل الأبرز في الطائفة من دون العودة إلى ما ارتكبه بين 23 أيلول – سبتمبر 1988 و13 تشرين الأوّل – أكتوبر 1990 عندما كان في قصر بعبدا. بين هذين التاريخين، كان ميشال عون في قصر بعبدا كرئيس لحكومة موقتة لا مهمة لها سوى انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلفاً لأمين الجميّل. بدل المساعدة في انتخاب رئيس للجمهوريّة، خاض ميشال عون، متحالفاً مع صدّام حسين حربين خاسرتين، هما “حرب التحرير” و”حرب الإلغاء”. أدت الحربان إلى تهجير أكبر عدد ممكن من المسيحيين من لبنان. ما لم يحققه ميشال عون عندما كان في بعبدا للمرّة الأولى يتحقّق الآن. يبدو أنّه أخذ على عاتقه عدم ترك مسيحي لبناني في لبنان!

لم يتعلّم المسيحيون شيئاً من تلك التجربة. سقط نسيب لحود في انتخابات 2005، فاز مكانه أشخاص في مستوى نبيل نقولا وإبراهيم كنعان. يكشف مثل هذا التفصيل الدرك الذي نزل إليه المجتمع المسيحي في لبنان، هذا المجتمع الذي لا يعرف الفارق بين نسيب لحود وميشال عون، حليف صدّام حسين في العام 1990 ومرشّح “حزب الله”، أي إيران لموقع رئيس الجمهوريّة في 2016.

قبل سقوط لبنان، كان السقوط المسيحي. كان سقوطاً، في أساسه، غياب الوعي لمعنى أن يكون في موقع رئيس الجمهورية شخص يختاره “حزب الله”. يختزل هذا الخيار الإيراني مأساة لبنان التي تعبّر عنها مأساة بيروت. كانت بيروت في الماضي القريب مدينة متنوّعة فيها كلّ المصارف وكلّ الجامعات وكلّ المستشفيات وكلّ الفنادق التي تليق بالمدن العالمية الكبرى. انتهت بيروت إلى ضاحية فقيرة من ضواحي إيران.

يدفع اللبنانيون جميعاً ثمن سير المسيحيين خلف شخص مثل ميشال عون المستعد لكلّ شيء من أجل أن يكون رئيساً للجمهوريّة، بما في ذلك توفير الغطاء لسلاح إيران في لبنان. يدفع اللبنانيون جميعاً غالياً ثمن ذلك الخيار المسيحي، الذي إن دلّ على شيء، فإنّما يدلّ على غياب أي وعي سياسي من أي نوع لما يدور في المنطقة، بما في ذلك أن تصبح إيران من يُقرّر من هو رئيس الجمهوريّة المسيحي في لبنان…

يظلّ أن أخطر ما في الأمر كلام النائب نهاد المشنوق الذي ذهب مباشرة إلى صلب الموضوع بقوله أخيراً واضعاً النقاط على الحروف: “ما أغضب العرب اعتداء فئة من اللبنانيين عليهم”. هل يحقّ للبنان الاعتداء على دول الخليج التي وقفت دائماً معه ومع ثقافة الحياة فيه؟

أخذ “العهد القويّ” لبنان بعيداً عن العرب. أخذه إلى المجهول. أخذه إلى بلد سيكون عليه البحث عن صيغة جديدة في حال أراد البقاء على خريطة الشرق الأوسط، حرّاً مستقلاً، بدل أن يكون كياناً غير عربي يدور في الفلك الإيراني…

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.