بقلم خيرالله خيرالله – كي يأخذ الحلفاء إدارة بايدن على محمل الجدّ

47

الكلام وحده لا يكفي. الإدانات تبقى إدانات في غياب موقف عملي للإدارة الأميركيّة من “الجمهوريّة الإسلاميّة” الإيرانية التي استخدمت ذراعاً لها هو الميليشيا الحوثية التي تسمّي نفسها “جماعة أنصار الله” من أجل الاعتداء على دولة الإمارات العربيّة المتحدة وعلى أبوظبي تحديداً. الأكيد أنّ الإمارات تستطيع الدفاع عن نفسها، لكنّ الأكيد أيضاً أنّ على الولايات المتحدة الوقوف مع حلفائها عندما يتعرّض هؤلاء لعدوان موصوف. يفترض بإدارة بايدن تسميّة الأشياء بأسمائها، خصوصاً في ما يتعلّق بالحوثيين وسلوكهم، وأن تُظهر أنّها تعرف المنطقة، وأنّها ليست استمراراً لإدارة باراك أوباما التي وقعت مع إيران اتفاقاً في شأن ملفّها النووي صيف العام 2015.

كان ذلك  الاتفاق، الذي رفد الخزينة الإيرانية بمليارات الدولارات، بمثابة هديّة  إلى “الجمهوريّة الإسلاميّة”. استطاعت إيران وقتذاك، عبر “الحرس الثوري” الذي يسيطر عملياً على مفاصل السلطة، استغلال كلّ دولار حصلت عليه إيران كمكافأة على توقيعها الاتفاق. وظّفت كلّ دولار في خدمة مشروعها التوسّعي وميليشياتها المذهبيّة المنتشرة في المنطقة. من بين هذه الميليشيات “جماعة أنصار الله” التي ترفع شعار “الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام”. أي جماعة في العالم ترفع شعار اللعنة على اليهود وكأن هؤلاء ليسوا بشراً وليسوا جزءاً، إلى ما قبل فترة قصيرة، من النسيج اليمني، خصوصاً في محافظة صعدة معقل الحوثيين أنفسهم.

يبدو واضحاً أنّه مثلما أنّ إدارة أوباما كانت تتجاهل طبيعة نظام “الجمهوريّة الإسلاميّة” الإيرانية، فإن إدارة بايدن تبدو أكثر سلبية منها في مجال التعاطي مع حلفائها في ما يخصّ اليمن تحديداً. يبدو أنّها تريد القول لكلّ من يعنيه الأمر إنّ لديها حسابات تريد تصفيتها مع الحلفاء. الدليل على ذلك، مسارعتها إلى رفع الحوثيين عن قائمة الإرهاب الأميركيّة. حدث ذلك مباشرة بعد دخول جو بايدن إلى البيت الأبيض قبل سنة تماماً. كيف يمكن لإدارة أميركيّة المرور مرور الكرام على الدور الذي يلعبه الحوثيون كأداة إيرانيّة لا أكثر في تهديد دول شبه الجزيرة العربيّة انطلاقاً من اليمن. من أين جاءت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة التي استخدمت في العدوان على أبوظبي. هل تهبط الصواريخ والطائرات المسيّرة من السماء، أم تأتي من مكان محدّد ويجري تدريب الحوثيين عليها بواسطة “الحرس الثوري” ومتفرّعاته؟

رفعت إدارة بايدن الحوثيين عن قائمة الإرهاب. كانت النتيجة انّ هؤلاء رفضوا كلّ مبادرات السلام. يعني ذلك أنّه لم تكن من فائدة تُذكر لما أقدمت عليه واشنطن. على العكس من ذلك، مارس الحوثيون مزيداً من العدائية رافضين أيّ انفتاح من أيّ نوع يُظهر أنّهم يريدون تسوية سلميّة في اليمن. أسوأ ما في الأمر أن مبادرة السلام السعوديّة قبل عشرة أشهر، كشفت أن لا وجود لشيء اسمه “جماعة أنصار الله”. الكلمة الأولى والأخيرة لـ”الحرس الثوري الإيراني” الذي سارع عبر مندوبه في صنعاء حسن ايرلو (توفّى لاحقاً) إلى رفض المبادرة السعوديّة واضعاً الحوثيين أمام أمر واقع.

حسناً، لدى إدارة بايدن تحفظات عن سياسة المملكة العربيّة السعوديّة في مجالات معيّنة. هذا ليس سرّاً. ولكن ليس سرّاً أيضاً أنّ الحوثيين لا يريدون السلام في اليمن، وأنّهم يعتدون على السعودية، وانتقلوا الآن إلى الاعتداء على الإمارات. أكثر من ذلك، ليس سرّاً أنّ ما تفعله الإدارة الأميركيّة الحالية يتمثّل في تشجيع الحوثيين على أن يكونوا أكثر عدائية. إنّهم اأثر عدائية تجاه الولايات المتحدة نفسها. قبل أسابيع قليلة، اقتحمّ الحوثيون مقرّ السفارة الأميركيّة في صنعاء. لم يكتفوا بتفتيش مكاتب السفارة، الخالية من أيّ ديبلوماسيين، بل احتجزوا عشرين موظّفاً محليّاً. ما زالوا يحتجزون خمسة من هؤلاء إلى حدّ اليوم. أين ذهب رهان إدارة بايدن على الاعتدال الحوثي؟

تذكّر إدارة بايدن في كلّ ما تقوم به بإدارة أوباما. لذلك تجد إيران  أنّ في استطاعتها الرهان على تمرير الوقت. القضيّة، بالنسبة إلى “الجمهوريّة الإسلاميّة”، وإلى الحوثيين أيضاً، قضيّة تمرير وقت فقط. أي قضيّة مرتبطة بإقناع الإدارة الأميركيّة بأن “الجمهوريّة الإسلاميّة” جدّية في التوصل إلى اتفاق يتعلّق ببرنامجها النووي. يبدو أن الإدارة ما زالت مقتنعة بأنّ إيران تريد اتفاقاً في فيينا، وأن الحوثيين ما زالوا يبحثون عن حلّ سلمي في اليمن. لا فائدة من مثل هذه السياسة، في وقت يبدو مطلوباً أكثر من أيّ وقت، اقتناع إيران بأنّ لا أفق، من أي نوع، لمشروعها التوسعي القائم على نشر الميليشيات التابعة لها في المنطقة واستنفار الغرائز المذهبيّة من جهة، وأنّ لا مجال للتوصل إلى اتفاق مع مجموعة الخمسة زائداً واحداً، التي تضمّ أميركا، من دون استيعاب لمعادلة مبنيّة على التصالح مع المنطق من جهة أخرى. التصالح مع المنطق لا يمكن أن يبقي سلوك إيران خارج حدودها وصواريخها خارج أي اتفاق معها.

يقول المنطق أيضاً إن إيران تستطيع أن تخرّب وتدمّر خارج حدودها وداخلها، لكنّها لا تستطيع أن تبني. الدليل على ذلك الاهتراء الاقتصادي في “الجمهوريّة الإسلاميّة” نفسها وما يعاني منه العراق وسوريا ولبنان واليمن في ظلّ ممارسات الميليشيات التابعة لـ”الحرس الثوري” . هل يستطيع نظام الملالي في إيران التصالح مع المنطق؟ مثل هذا السؤال سيكون العنوان الذي يختزل المرحلة المقبلة في المنطقة كلّها.

في انتظار وصول إيران إلى مصالحة مع المنطق، يبدو مفيداً اقتناع إدارة بايدن بأنّ سياسة التساهل مع الحوثيين ليست سياسة ناجعة، وأن “جماعة أنصار الله” لا يمكنها القيام بأيّ تغيير لموقفها من الحل السياسي في اليمن بمجرد رفعها عن لائحة الإرهاب.

لا تستطيع هذه الجماعة قبول أيّ مبادرة سلميّة وأيّ حوار في ظلّ موازين القوى الحالية التي نجحت قوات لواء العمالقة في تغييرها. هذا سبب كافٍ كي تبدأ إدارة بايدن بالتعرّف على المنطقة من زاوية واقعيّة… وكي يبدأ الجميع، بمن في ذلك حلفاؤها في أخذها على محمل الجدّ!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.