بقلم خيرالله خيرالله – لبنان أولوية إيران وليس الحرب مع إسرائيل

51

من المستبعد دفع «الجمهوريّة الإسلاميّة» في إيران «حزب الله» إلى خوض حرب مع إسرائيل. ليس هناك استعداد إيراني، أقلّه في المدى المنظور، لخسارة الحزب ومعه الورقة اللبنانيّة. تدرك «الجمهوريّة الإسلاميّة» معنى الحرب وتعرف نتائجها سلفا. لذلك يبقى التهويل بحرب مع إسرائيل انطلاقا من لبنان، وليس الحرب بحدّ ذاتها، ورقة في غاية الأهمّية بالنسبة إلى المشروع التوسعي الإيراني.

في النهاية، أوصل «حزب الله» هذا المشروع إلى  البحر المتوسط وإلى خط تماس مع إسرائيل. لم يعد المسؤولون الإيرانيون يخجلون من القول أنّ «الجمهوريّة الإسلاميّة» تسيطر على أربع عواصم عربيّة، بينها بيروت، إضافة إلى بغداد ودمشق وصنعاء.

ثمّة معطيات عدّة تجعل من إتخاذ إيران قرار الحرب، إنطلاقا من لبنان، صعبا. في مقدّم هذه المعطيات أن الحزب ليس سوى لواء في «الحرس الثوري» الإيراني وأنّ العالم، بما في ذلك العالم العربي، كلّه بات على علم بأنّ قرار الحرب والسلم في لبنان ملك ايران ولا أحد غيرها. من هنا، يظلّ التلويح بالحرب أهمّ من الحرب نفسها، كذلك الأمر بالنسبة إلى المحافظة على الحزب الذي يمسك بالدولة اللبنانيّة ومؤسساتها… مع استثناءات قليلة. لا يمكن لإيران المغامرة بخسارة لبنان وزوال سيطرتها عليه، وهو الهدف الذي وجد من أجله «حزب الله» أصلا.

وجد الحزب أصلا من أجل هزيمة الدولة اللبنانّية وتغيير طبيعة المجتمع اللبناني، على غرار ما حصل مع المجتمع الشيعي، تحت ستار محاربة إسرائيل. كان الإنتصار على لبنان الهدف الحقيقي لإيران في حين بقي القضاء على إسرائيل شعارا صالحا للإستخدام في كلّ الظروف. يؤكّد ذلك أن «فيلق القدس» خاض كلّ المعارك التي عليه خوضها في لبنان وسوريا والعراق واليمن ولم يتقدم سنتيمترا واحدا في إتجاه القدس.

من أجل بقاء السيطرة الإيرانيّة على لبنان، بات واردا إحتمال التوصل إلى اتفاق في شأن ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل قبل خروج ميشال عون وصهره جبران باسيل من قصر بعبدا. كذلك، بات واردا أن يشكل نجيب ميقاتي، بضغط من «حزب الله»، حكومة ترضي الثنائي عون – باسيل، بطريقة ما. ليس في مصلحة ايران التخلي عن أداة مسيحية طيّعة من نوع «التيّار الوطني الحر» في الظروف الراهنة.

بدل الحرب، سيرفع الحزب الصوت عاليا، في حال التوصّل إلى إتفاق في شأن ترسيم الحدود البحريّة مع إسرائيل. سيقول أن سلاح الحزب حقّق هذا الإنجاز، علما أنّه سلاح في خدمة المشروع التوسّعي الإيراني أوّلا وأخيرا. سيقول الحزب، في حال ترسيم الحدود، أن سلاحه جعل إسرائيل ترضخ للمطالب اللبنانيّة… في حين أنّ الحقيقة في مكان آخر في غياب قدرة لبنان على استخراج أي غاز قبل سنوات طويلة. الحقيقة المرّة أنّ إسرائيل ستستخرج الغاز من حقل كاريش بغض النظر عن حصول إتفاق مع لبنان أو عدم حصول مثل هذا الاتفاق. صار غاز البحر المتوسط جزءا من الأمن الأوروبي في ضوء أزمة الطاقة التي تعاني منها القارة العجوز منذ اعتمد الرئيس فلاديمير بوتين سلاح الطاقة في حربه على أوكرانيا التي تعتبرها أوروبا حربا عليها.

هناك غاز إسرائيلي يستخرج حاليا، من غير كاريش، وهناك تعاون مع مصر في هذا المجال وهناك رغبة تركيّة في الدخول على خط الغاز الإسرئيلي. عبّر عن هذه الرغبة، بوضوح ليس بعده وضوح، الرئيس رجب طيب أردوغان الذي لم يخف نيته زيارة إسرائيل قريبا، من دون تحديد موعد نهائي لهذه الزيارة. عقد اردوغان لقاء في نيويورك على هامش الجمعية العموميّة للأمم المتحدة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لابيد. جاء ذلك بعد تعيين إسرائيل قبل أيّام سفيرة في انقرة هي ارييت ليليان وذلك للمرّة الأولى منذ سنوات عدّة. سبق لتركيا، المستعجلة إلى التقارب مع إسرائيل، تعيين سفير لدى الدولة العبرية أواخر العام الماضي. اسم السفير أفق أولوتاش رئيس مركز الأبحاث التابع لوزارة الخارجية التركية.

في منطقة يتغيّر فيها كلّ شيء، تسعى ايران إلى المحافظة على مواقعها. لبنان بين هذه المواقع. ليس أي لبنان مفيد لإيران، بل لبنان الذي يسيطر عليه «حزب الله» الذي بات قادرا على فرض رئيس الجمهوريّة الذي يريده على اللبنانيين كما حدث في العام 2016 بعد اخضاعه ميشال عون لكلّ الإمتحانات المطلوبة. شمل ذلك تبرير ميشال عون قتل ضابط طيّار في الجيش اللبناني هو سامر حنا لمجرّد تحليقه في منطقة تحت سيطرة الحزب… كما شمل إثبات جبران باسيل، لدى توليه وزارة الخارجية، أنّه صوت «الجمهوريّة الإسلاميّة» الصادح في اجتماعات مجلس جامعة الدول العربيّة!

الأولوية الإيرانيّة للسيطرة على لبنان وليس لحرب مع إسرائيل. مثل هذه الأولويّة، التي تحققت على حساب لبنان واللبنانيين ومستقبل أبنائهم، تجعل من انتخاب رئيس للجمهوريّة صُنع في لبنان مجرّد وهم. سيظل هذا الوهم سيّد الموقف في ضوء الظروف الإقليميّة الراهنة وموازين القوى السائدة. ليس من يريد تغيير هذه الموازين التي لا تعترض عليها إسرائيل التي تعرف تماما ما هي «الجمهوريّة الإسلاميّة» التي نسقت معها، عبر القناة الإلمانيّة، الانسحاب من جنوب لبنان في العام 2000. تحترم «الجمهوريّة الإسلاميّة» كلّ شروط اللعبة مع إسرائيل، بدليل الإكتفاء بالكلام الكبير واطلاق الشعارات ردّا على الضربات التي تتلقاها في سوريا.

ليس أمام لبنان، أقلّه في المستقبل المنظور، سوى التعايش مع معادلة يفرضها الاحتلال الإيراني الذي لن يغامر بحرب يفتعلها «حزب الله» مع إسرائيل والذي لا مانع لديه في حصول فراغ أو شغور رئاسي…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.