بقلم خيرالله خيرالله – من ميتران… الى بوش الابن وترامب

24

من الصعب تصوّر منطقة مستقرّة في غياب عراق مستقرّ. من الصعب أيضا تصوّر منطقة مستقرّة في غياب سوريا مستقرّة. لن يستقرّ العراق قريبا ولن تستقرّ سوريا قبل معالجة النتائج التي ترتبت على سقوط العراق في يد ايران في العام 2003. هل مثل هذه المعالجة ممكنة ام انّ اوانها قد فات؟ يطرح هذا السؤال نفسه في ضوء التدمير الممنهج الذي تعرّض له العراق، لأسباب أميركية، والذي تعرّضت له سوريا لأسباب مختلفة يعود معظمها الى رفض النظام القائم، وهو نظام اقلّوي ليس لديه ما يقدّمه للمواطن السوري من إصلاحات مطلوبة، التخلي عن شعار «الأسد او نحرق البلد». لم يكن لدى هذا النظام وليس لديه حاليا ما يقدّمه للسوريين غير القمع والذلّ والبؤس والبراميل المتفجّرة… والشعارات الفارغة عن «المقاومة والممانعة».

هناك خلل أساسي حصل على الصعيد الإقليمي، بسبب العراق. بات من الصعب إصلاح هذا الخلل. كم يجب ان نتذكّر في مثل هذه الايّام كلام الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران ردا على المعترضين على تأجير العراق خمس طائرات «سوبر ايتندار» لم تكن البحرية الفرنسية تمتلك غيرها وتزويده صواريخ «اكزوسيت» التي تستخدم في ضرب القطع البحرية. كان ذلك في العام 1981. كانت ايران، المصرّة على متابعة الحرب مع العراق، بدأت تستعيد المبادرة عسكريا، فيما القوات العراقية تتراجع على كلّ الجبهات. كانت هناك حاجة الى ما بوقف التقدّم الايراني وذلك عن طريق وقف الصادرات النفطية الايرانية الى ابعد حدود. كانت هناك حاجة الى دعم العراق عسكريا وتمكينه من الصمود في وجه التقدّم الايراني. ادّت الطائرات الفرنسية وصواريخ «اكزوسيت» الغرض المطلوب ولعبت دورا في انهاء الحرب بالطريقة التي انتهت بها، أي بشبه انتصار عراقي وذلك بعد ثماني سنوات من القتال ومن استنزاف موارد العراق وايران ودول الخليج.

وقتذاك، سئل ميتران عن الأسباب التي دفعت فرنسا الى القيام بما قامت به، أي الى تأجير طائرات ليس لديها بديل منها، الى دولة أخرى في الزمن الحرب؟ أجاب الرئيس الفرنسي، الذي لم يكن يكنّ ودّا لصدّام حسين، كون صدّام دعم منافسه جاك شيراك في انتخابات الرئاسة الفرنسية، بما معناه: ان المسألة تتجاوز العلاقات الشخصية مع الرئيس العراقي. اهم ما قاله انّ الحدود القائمة بين العراق وإيران ليست مجرّد حدود بين دولتين، بل هي «حدود بين حضارتين كبيرتين، هما الحضارة الفارسية والحضارة العربية». شدّد على ان هذه الحدود التي عمرها مئات السنين يجب ان تبقى على ما هي عليه، لان اختراقها يعني اختلال التوازن الإقليمي كلّه. هناك توازن قديم بين العرب والفرس وهناك أيضا توازن قائم على النظام الإقليمي الذي ولد من رحم انهيار الدولة العثمانية في عشرينات القرن الماضي.

على الرغم من انّ هناك جدلا طويلا في شأن من الذي بدأ الحرب في العام 1981، العراق ام ايران، إلّا ان ميتران فضّل الذهاب الى البعد الخطير الذي سيترتب على دخول ايران الى العراق.

امتلك ميتران فكرا استراتيجيا جعله يتصدّى لمعمّر القذافي عندما اقدم على مغامرته التشادية. كان يدرك انّه ليس مسموحا لدول ديكتاتورية مثل جماهيرية القذّافي الذهاب الى ابعد من حدودها ونشرها الفوضى في بلد فقير مثل التشاد يمتلك ثروات كبيرة من المعادن.

1 Banner El Shark 728×90

في المقابل، أقدمت الولايات المتّحدة في العام 2003 على ما لا يمكن ان تقدم عليه دولة تمتلك ولو القليل القليل من الخبرة في ما يخصّ العلاقات الدولية. أقدمت على احتلال العراق وتسليمه الى ايران. ليس معروفا بعد ما الذي دفعها الى ذلك وإلى توفير دفع جديد للمشروع التوسّعي الايراني الذي اوقفته الحرب العراقية – الايرانية بين 1981 و 1988. لا يزال السبب الذي دفع جورج بوش الابن على شن الحرب في العراق لغزا. كلّ ما توفّر ان بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الاميركي في حينه، كان اوّل من اثار الموضوع في اجتماع لكبار المسؤولين الاميركيين مباشرة بعد احداث الحادي العشر من ايلول – سبتمبر 2001. عقد ذلك الاجتماع في كامب ديڤيد وبحث فيه في كيفية الردّ على ما ارتكبه تنظيم «القاعدة» الذي كان يتزعمّه أسامة بن لادن الذي اتخذ من أفغانستان ملجأ له.

تفرّد وولفويتز بطرح موضوع غزو العراق، فتصدّى له وزير الخارجية كولن بأول، استنادا الى محاضر الاجتماع الذي نشرته مجلّة «فانيتي فير»، مؤكدا ان لا علاقة لصدّام حسين بـ»القاعدة» واسامة بن لادن. وعند انتهاء الاجتماع سئل نائب وزير الدفاع الاميركي عن سبب طرحه موضوع العراق، فأجاب: «زرعت البذور»، أي بذور حرب العام 2003.

لم يتغيّر شيء الى الآن، لا تزال الولايات المتحدة تطرح أفكارا لا بعد استراتيجيا لها من نوع ترك اكراد سوريا لمصيرهم في وقت تستعد تركيا لإقامة حزام امني في الشمال السوري. لم يتردد الرئيس دونالد ترامب في تبريره لوقف الحماية الاميركية للاكراد في القول عبر تغريدة: «قاتل الاكراد الى جانبنا، لكننا دفعنا لهم اموالا طائلة وزودانهم معدات كي يفعلوا ذلك. انهم يقاتلون تركيا منذ عقود. أوقفت هذا القتال لثلاث سنوات تقريبا، لكنه آن أوان ان نترك هذه الحروب السخيفة التي لا نهاية لها وكثير منها حروب قبلية وإعادة جنودنا الى بلدهم. سنحارب حيث نجد لنا مصلحة. سنحارب من اجل ان ننتصر. على تركيا وأوروبا وسوريا وإيران والعراق وروسيا والكرد معالجة الوضع وإيجاد مخرج لما يريدون عمله بمقاتلي الدولة الإسلامية الذين اسروا في جوارهم».

في ضوء هذه التغريدة، يمكن التساؤل فعلا هل لدى إدارة دونالد ترامب سياسة شرق أوسطية… ام انها تريد معالجة فوضى العراق وسوريا بمزيد من الفوضى، بل تريد عمل ايّ شيء تفاديا للبحث في الأساس. الأساس ما الذي يمكن عمله في العراق الذي يشهد حاليا احداثا في غاية الخطورة بعدما انتفض العراقيون في وجه الاحتلال الايراني والطبقة السياسية الفاسدة التي تمثّله والتي يحتمي بها ويستخدمها غطاء لممارساته.

بين الفكر العميق لفرنسوا ميتران من جهة وفكر كلّ من جورج بوش الابن ودونالد ترامب من جهة أخرى، ليس ما يشير الى رغبة في التعاطي الاميركي الجدّي مع مشاكل الشرق الاوسط والخليج وأزماتهما. لم يعد هناك في واشنطن من يفكّر سوى بالفوضى وكيفية نشر الفوضى. لم يعد مسؤول أميركي يتجرأ على طرح سؤال من نوع ما الذي جنيناه من حرب العراق او من مهادنة ايران في سوريا وترك نظام سوري يتابع حربه على شعبه بكل وسائل القتل المتاحة وغير المتاحة في ظلّ تصفيق روسي…

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.