بقلم خيرالله خيرالله – ميشال عون ووسائل “الاقناع”… لدى الحزب

107

ما الذي تغيّر كي يقبل ميشال عون بتشكيل حكومة برئاسة نجيب ميقاتي؟ هل يعتبر انتصاره، مع جبران باسيل، على سعد الحريري سببا كافيا كي يسهّل تشكيل حكومة قد تساعد في وقف حال الانهيار الذي لم يعد من قعر له لبلد كان الى الماضي القريب مزدهرا؟

الأكيد انّ ميشال عون لم يتغيّر. لم يشفِ غليله من رفيق الحريري بعد. إنّه تعبير عن حقد على كلّ ناجح وكلّ نجاح. لا يغيّر في ميشال عون ما يحلّ بلبنان، بقي المسيحيون فيه ام استمرّت هجرتهم منه، بقي نظام مصرفي ومرفأ بيروت وجامعات ومستشفيات وفنادق وكهرباء ودواء، ام لم يبق شيء من لبنان!

ما تغيّر، في النقلة من سعد الحريري الى نجيب ميقاتي، حسابات “حزب الله” الذي امتنع عن تسمية سعد الحريري في الاستشارات النيابية قبل تسعة اشهر، لكنّ نوابه سمّوا نجيب ميقاتي قبل ايّام. الحسابات في النهاية هي حسابات الحزب المرتبطة كلّيا بالحسابات الإيرانية من منطلق ان لبنان ورقة لدى “الجمهوريّة الاسلاميّة” لا اكثر. هل يقف هذا التغيير وراء كلام نجيب ميقاتي عن “ضمانات دولية” يمتلكها؟

قضت حسابات “حزب الله” في مرحلة معيّنة بتأمين اكثريّة تفرض تكليف سعد الحريري تشكيل حكومة. استخدم وقتذاك هذا التكليف كي لا يشكّل سعد الحريري حكومة. استخدم عمليا ميشال عون وجبران باسيل في سبيل تحقيق هذا الهدف الذي يعبّر عن رغبة في المماطلة. هل بات مسموحا لنجيب ميقاتي تشكيل حكومته شاء ميشال عون وجبران باسيل ذلك ام لا؟

لم يتغيّر شيء في ميشال عون منذ دخل الى قصر بعبدا للمرّة الاولى في 1988  وخرج منه في 13  تشرين الأول – أكتوبر 1990 عندما سمحت الولايات المتحدة لحافظ الأسد باستخدام سلاح الجو السوري لقصف القصر الرئاسي. كافأت الإدارة الأميركية وقتذاك حافظ الأسد على مشاركته في حرب تحرير الكويت الى جانب القوات الأميركية التي تجمّعت في حفر الباطن.

هرب ميشال عون وقتذاك الى منزل السفير الفرنسي رينيه آلا القريب من قصر الرئاسة. بقي في منزل السفير بضعة اشهر بعدما اصرّ الرئيس فرنسوا ميتران على السماح له باللجوء الى فرنسا من منطلق انّ “شرف فرنسا” يمنعها من التخلي عن سياسي لبنان لجأ الى حمايتها.

لم يخرج ميشال عون من قصر بعبدا الّا بالقوّة. ظلّ يعتقد، الى اللحظة الأخيرة، أن هناك من سيأتي ويقول له انّ في استطاعته أن يكون رئيسا للجمهوريّة. كان مبعوث له في طريقه الى عنجر صباح 13 تشرين الاوّل للقاء غازي كنعان، المفوّض السامي السوري في لبنان، وقتذاك. لم يدر المبعوث انّ قاذفات “سوخوي” السوريّة سبقته الى قصر بعبدا.

لم يستوعب ميشال عون يوما معنى وجود غطاء عربي ودولي لاتفاق الطائف الذي سمح بانتخاب مجلس النوّاب لرينيه معوّض رئيسا للجمهوريّة. منع ميشال عون رينيه معوّض من الوصول الى قصر بعبدا وجعل منه هدفا سهلا للنظام السوري الذي لم يكن راضيا عنه. إنتُخب الياس الهراوي رئيسا للجمهوريّة. لم يقتنع به ميشال عون الّا بعدما صار الجيش السوري في قصر بعبدا ووزارة الدفاع في اليرزة التي صودرت منها كلّ ملفّات الجيش اللبناني!

لم يتغيّر شيء في ميشال عون في تموز – يوليو 2021. آخر ما يهمّه هو لبنان. عفوا تغيّر شيء واحد. بات مطلوبا ان يوجد من يقول له إنّ عليه القبول بحكومة برئاسة نجيب ميقاتي. عمليا، حقّق “حزب الله” انجازين. ارضى جبران باسيل وميشال عون وجعلهما يصدّقان ان انتصارا تحقّق على سعد الحريري، وهو في الواقع انتصار لا معنى له بمقدار ما انّه انتصار على لبنان واللبنانيين، على شاكلة الانتصارات التي يحققها الحزب. امّا الإنجاز الآخر، فيتمثّل في اظهار الحزب الى كلّ من يعنيه الامر ان لبنان ليس سوى ورقة إيرانية وأن تشكيل حكومة فيه او عدم تشكيلها رهن رغبة “الجمهوريّة الاسلاميّة”.

سيعمل نجيب ميقاتي على تشكيل الحكومة سريعا، أي قبل الرابع من آب – أغسطس المقبل موعد الذكرى الأولى لتفجير مرفأ بيروت، الذي هو كارثة وطنيّة لم يستطع الثنائي عون – باسيل استيعاب معناها وابعادها وتأثيرها على مستقبل بيروت ولبنان ودورهما في المنطقة.

تدل تجارب الماضي القريب انّ ما يحلّ بلبنان واللبنانيين ليس في بال ميشال عون. لا يمكن تغيير ميشال عون الذي لا يتحرّك الّا تحت الضغط. ما يهمّه حاليا هو ضمان وصول جبران باسيل الى موقع رئيس الجمهوريّة ولا شيء آخر غير ذلك. هذا واضح. ما هو واضح أكثر انّه لا يستطيع، في المقابل، رفض ما يطلبه منه “حزب الله”. الدليل على ذلك استبعاده الكامل منذ اللحظة الأولى لتفجير مرفأ بيروت التحقيق الدولي.

ما ليس معروفا الى هذه اللحظة هل لدى “حزب الله” ما يكفي من وسائل “الاقناع” كي يفهم ميشال عون ان تشكيل الحكومة اللبنانية ورقة إيرانية وليس ورقة في خدمة المستقبل السياسي لجبران باسيل الذي فرضت عليه عقوبات أميركية يصعب التخلّص منها يوما…

سيكون يوم الرابع من آب يوما حاسما. اذا تمكن نجيب ميقاتي من تشكيل حكومة قبل ذلك التاريخ، سيكون ذلك دليلا على ان لدى الحزب وسائل “الاقناع” الكافية التي تجعل ميشال عون يعيد النظر في حساباته. هذه الحسابات التي لم تأخذ في الاعتبار يوما النتائج المترتبة على توقيع وثيقة مار مخايل قبل عشر سنوات وثمن ذلك مسيحيا على وجه التحديد ولبنانيا بشكل عام…

(نقلا عن موقع “أساس”)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.