بقلم خيرالله خيرالله – نكتة الحوار الوطنيّ… وسؤال عن فائدة الانتخابات

75

ليس الحوار الوطني الذي دعا إليه رئيس الجمهوريّة ميشال عون سوى نكتة أخرى من مسلسل نكاته السمجة التي كانت على رأسها نكتة «العهد القويّ». مَن يحاور مَن ومن أجل ماذا الحوار فيما البلد تحت هيمنة «حزب الله»، أي هيمنة إيران؟ ليس «حزب الله»، الذي يتحكّم بكلّ مفاصل السلطة في لبنان، بما في ذلك قرار الحرب والسلم، سوى لواء في «الحرس الثوري» الإيراني.

هل يمكن التحاور بين اللبنانيين في ظلّ الهوّة القائمة بين مَن يفرض رأيه بقوّة السلاح من جهة وبين مَن يدعو إلى اعتماد المنطق والتقيّد بالدستور والقوانين وقرارات الشرعيّة الدوليّة من جهة أخرى؟

تعني لغة المنطق طرح أسئلة من نوع أيّ مستقبل للبنان في ظلّ عزلته العربيّة والدولية وحال الانهيار التامّ التي يعاني منها. سقط الحوار الوطني قبل أن يبدأ، لا لشيء إلّا لأنّ الداعي إلى الحوار طرف وليس حَكَماً بين اللبنانيين. كذلك، إنّ «حزب الله» لم يتشاور أصلاً مع أيّ طرف لبناني آخر، لا عندما ذهب إلى سوريا ولا عندما ذهب إلى اليمن ولا عندما رفع صور قاسم سليماني في بيروت ولا عندما اتّخذ قراره بجعل لبنان أرضاً طاردة لأيّ سائح أو مستثمر خليجي… بل أرضاً طاردة لأهلها، خصوصاً المسيحيين منهم.

ليس أمام اللبنانيين سوى التركيز في كلّ يوم على أساس المشكلة التي يعاني منها بلدهم والتي أوصلتهم إلى كلّ هذا الانهيار. أساس المشكلة في الاحتلال الإيراني أو الهيمنة الإيرانيّة لا فارق. يفرض السلاح الإيراني، الذي حلّ تدريجاً مكان السلاح الفلسطيني ابتداء من العام 1982، سؤالاً يتعلّق بإمكان التغيير عن طريق الانتخابات النيابيّة المقرّرة في أيّار المقبل. من حقّ اللبنانيين التطلّع إلى الانتخابات من أجل إحداث التغيير المطلوب، لكن هل الانتخابات، في حال أُجريت في موعدها، بموجب القانون الحالي وفي ظلّ السلاح المذهبي غير الشرعي، تسمح بحصول مثل هذا التغيير؟

ثمّة عوامل عدّة قد تجعل التغيير عن طريق الانتخابات صعباً. في مقدّم هذه العوامل القانون الذي أُقرّ في العام 2018 والذي تحكّم بالانتخابات التي أُجريت في تلك السنة. أسفرت تلك الانتخابات عن حصول «حزب الله» على أكثريّة في مجلس النواب. هذا ما قاله، وقتذاك، بكلّ وقاحة قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» الذي كان لبنان من بين البلدان التي يشرف عليها بشكل مباشر ويتدخّل في أدقّ التفاصيل المتعلّقة بها.

بدأ «حزب الله»، ومن خلفه «الجمهوريّة الإسلاميّة»، العمل باكراً على قانون انتخابي يكون على مقاس الحزب الذي حرص على دراسة أدقّ التفاصيل المتعلّقة بنصّ القانون العجيب الغريب الذي بات معمولاً به. خلاصة الأمر أنّ الانتخابات صارت ممكنة، وفق شروط معيّنة، عند المسيحيين والسُنّة والدروز. في المقابل، يكفل قانون 2018 تفادي أيّ انتخابات حقيقية في المناطق الشيعية. أكثر من ذلك، يسمح هذا القانون لـ»حزب الله» بإظهار الفارق الشاسع بينه وبين حركة «أمل». هناك مرشّح للحزب في النبطية حاز أضعاف ما حازه مرشّح بارز لـ»أمل».

أدّى القانون أغراضه بأن أضعف سعد الحريري عند السنّة ووليد جنبلاط عند الدروز وأيّ فريق معادٍ للثنائي الرئاسي ميشال عون – جبران باسيل عند المسيحيين. مثل هذا السيناريو مرشّح لأن يتكرّر في 2022 مع تحفّظات معيّنة من بينها أنّ سعد الحريري قد لا يترشّح. سيزيد ذلك من حال الضياع والتجاذب داخل الطائفة السنّيّة. أمّا مسيحيّاً، فلا مشكلة تُذكر لدى «حزب الله» في حال لم يتمكّن فريق عون – باسيل من الاحتفاظ بهذا العدد الكبير من النواب، في ظلّ قدرة «القوات اللبنانية» على تحقيق نتائج جيّدة.

تتجاوز أزمة لبنان الانتخابات المقبلة، وتتجاوز القانون الانتخابي الذي يستهدف وضع السُنّة بعضهم في مواجهة بعض، والمسيحيين والدروز أيضاً… مع المحافظة على هيمنة «حزب الله» على التمثيل الشيعي، بفضل قانون 2018 وقوّة السلاح في الوقت ذاته!

لا انتخابات حرّة في لبنان إذا لم تكن هناك انتخابات تشمل كلّ اللبنانيين وكلّ المناطق في ظلّ قانون يضمن تنافساً حرّاً داخل الطائفة الشيعية أيضاً. في غياب الدولة اللبنانيّة ومؤسّساتها، ليس ما يشير، أقلّه في المدى المنظور، إلى وجود قدرة لدى المعترضين على «حزب الله» وسلوكه داخل الطائفة الشيعية على التعبير عن رأيهم بحرّيّة. ما لا بدّ من تذكّره في كلّ وقت أنّ «حزب الله» ليس سوى لواء في «الحرس الثوري» الإيراني ولا يمكن أن يسمح بأيّ اعتراض جدّيّ على سلاحه غير الشرعي، خصوصاً إذا جاء هذا الاعتراض من داخل الوسط الشيعي. لا حاجة إلى أيّ أمثلة لتأكيد ذلك، ولا حاجة طبعاً إلى العودة إلى ما حلّ بالمفكّر لقمان سليم، تحديداً، قبل أقلّ من سنة.

هل الرهان على الانتخابات بموجب قانون 2018 في ظلّ سلاح «حزب الله» رهان في محلّه؟

الجواب يميل إلى كلمة لا.

فاز السياديون اللبنانيون في انتخابات 2005 و2009. لم يسمح لهم «حزب الله» حتّى بانتخاب رئيس للجمهوريّة يليق بلبنان واللبنانيين. قَبِل الحزب بالكاد ببقاء رئيس للجمهوريّة في لبنان بعدما أجبر كلّ الآخرين على القبول بخياره الرئاسي في 2016.

مثلما أنّ طاولات الحوار لم تعنِ في الماضي شيئاً لـ»حزب الله»، كذلك انتخابات 2005 و2009، وليس ما يشير إلى أنّ مثل هذه الانتخابات ستعني له شيئاً في 2022، هذا إذا جرت مثل هذه الانتخابات في موعدها المحدّد… في ظلّ موازين القوى الإقليمية السائدة حالياً. إنّها موازين تسمح لإيران بمتابعة تصعيدها في لبنان على الرغم من كلّ التراجعات التي يتعرّض لها هذه الأيّام مشروعها التوسّعي في اليمن والعراق!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.