بقلم خيرالله خيرالله – وليد المعلّم… سنّي ادرك حدوده

78

من المفارقات ان يرحل وليد المعلّم، وزير الخارجية السوري منذ العام 2006، يوم السادس عشر من تشرين الثاني – نوفمبر 2020.

رحل المعلّم في يوم ذكرى مرور خمسين عاما بالتمام والكمال على «الحركة التصحيحية». كان ذلك يوم ولادة النظام السوري الحالي نتيجة انقلاب نفّذه حافظ الأسد على رفاقه، ابرزهم الضابط العلوي الآخر صلاح جديد.

هل رحيل وليد المعلّم في ذلك اليوم بالذات صدفة ام أنّ رحيله إشارة أخرى الى نهاية، ذات فصول طويلة، لنظام عمّر اكثر بكثير مما يجب. نظام ادّى في نهاية المطاف، او في طريقه الى تأدية، المطلوب منه منذ ما قبل ولادته، أي منذ كان حافظ الأسد وزيرا للدفاع. كان مطلوبا من النظام، كي يبقى، تفتيت سوريا الى غير رجعة مستخدما كلّ الأساليب المتاحة بدءا بالاستعانة بالايراني وانتهاء بالاستعانة بالروسي، مرورا في طبيعة الحال بكلّ وسائل القمع التي يمكن تصورّها. من البراميل المتفجرّة الى الاغتيالات… الى السلاح الكيميائي والتهجير الجماعي لمواطنين سوريين سنّة على وجه التحديد.

لم تكن لوليد المعلّم، السنّي شبه الدمشقي (هو من المزّة التي ضمت الى دمشق بعد توسعها في سبعينات القرن الماضي)، أي أهمية تذكر في صنع القرار. لا في عهد حافظ الأسد ولا في عهد وريثه بشّار الأسد. كان واجهة مقبولة عربيا ودوليا لنظام اقلّوي، لا اكثر. أراد النظام في كلّ يوم نفي انّه نظام عائلي وعلوي في الوقت ذاته. استُخدم وليد المعلّم مثله مثل غيره من السنّة وغير السنّة، كأداة زينة، في تلميع صورة النظام. تكمن ميزة وليد المعلّم بانّه كان من بين القلائل من سنّة المدن  الذين تبوّأوا موقعا بارزا. فالمطلوب كان دائما ان يكون السنّي من سنّة الضواحي او الريف او المدن التي بقيت ريفية مثل درعا.

تلك كانت القاعدة المعمول بها منذ استولى حافظ الأسد على سوريا والقى بصلاح جديد ونورالدين الاتاسي ويوسف زعيّن وآخرين في السجن. لا مكان في نظام حافظ الاسد لسنّة المدن في السلطة. كان لديه حقد ليس بعده حقد على البورجوازية السنّية. حقد على حلب وحمص وحماة ودمشق تحديدا. امّا اللاذقية، فتم تدجينها باكرا بعدما اجتاحها العلويون الذين هبطوا على وسطها من جبالهم القريبة منها… مثلما هبطوا على ضواحي دمشق وحمص وحماة وتسللوا بحذر الى حلب.

كان حكمت الشهابي رئيس الأركان الذي لعب دورا مهمّا، اقلّه ظاهرا، في عهد حافظ الأسد من ريف حلب ووزير الدفاع مصطفى طلاس من الرستن في ريف حمص. امّا عبد الحليم خدام، فكان من بانياس. عرف وليد المعلّم حدوده باكرا، خصوصا منذ عمل سفيرا في واشنطن بين 1990 و 1999  عندما استدعي الى دمشق بسبب وشاية، عن تقرّبه من الاميركيين، مصدرها احد السفراء العرب في العاصمة الأميركية. في الواقع، وضعه حافظ الأسد في منافسة مع فاروق الشرع وزير الخارجية، خرج منها وليد المعلّم خاسرا بمجرّد اعادته الى دمشق وذلك رغم تعيينه نائبا لوزير الخارجية ثم وزيرا للخارجية في العام 2006.

منذ اعادته الى دمشق، لعب وليد المعلّم الدور الذي كان عليه لعبه. زايد عندما كان عليه المزايدة وذلك لاظهار ولاءه واخفاء مشاعره الحقيقية، وهي مشاعر كلّ سنّي سوري تجاه النظام. كان عليه أن يكون فظّا مع رفيق الحريري عندما جاء اليه في بيروت، قبل أسابيع قليلة من اغتيال الاخير، كي يشدّد على ضرورة إبقاء «الودائع السورية»، أي النواب اللبنانيين العاملين لدى الأجهزة السورية على لوائحه.

استوعب وليد المعلّم باكرا معنى ان تكون سنّيا في خدمة نظام بشّار الأسد وقبله حافظ الأسد. كان يعرف ان على السنّي التفاوض مع إسرائيل، في حين ان على العلوي البقاء خارج هذه الدائرة. لذلك اقتصرت المفاوضات العلنية مع الإسرائيليين على اشخاص مثل وليد المعلّم نفسه ثم حكمت الشهابي، الذي التقى رئيس الاركان الإسرائيلي امنون شاحاك في واشنطن، ثم فاروق الشرع الذي التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك واخذ صورة معه. بالنسبة الى النظام، وحدهم السنّة يخونون… في حين يعطي الرئيس العلوي شهادات في «الوطنية» و»الممانعة» و»المقاومة». يعمل في الوقت ذاته على تغيير طبيعة المدينة السورية تمهيدا لتغيير طبيعة سوريا كلّها. في السنة 2020، صارت سوريا تحت خمسة احتلالات، الإيراني، الإسرائيلي، الروسي، التركي، الأميركي. على الرغم من ذلك كلّه، لا يزال بشّار الأسد في دمشق.

من يعيد سوريا الى السوريين يوما؟ الأكيد انّ وليد المعلّم لم يلعب دورا في هذا السياق. لعب دورا وحيدا يتمثّل في المحافظة على موقعه، علما انّه كان يعرف تماما ماذا يريد الإيراني وماذا يريد الروسي وماذا يريد التركي. لعب عمليا كلّ الأدوار التي رسمت له. شمل ذلك قول كلام لا يؤمن بحرف من حروفه من نوع «سننسى انّ أوروبا على الخارطة» او «مين بومبيو؟… انا لا اعرفه» او «من يريد العدوان على سوريا، عليه التنسيق معها».

لم يكن وليد المعلّم سوى أداة من أدوات النظام الذي قام في العام 1970، وهو نظام قبل الدفاع عنه، علما انّه كان يعرف تماما طبيعته. كان يعرف ان ثمّة فارقا بين الأقوى والاعلى. الأعلى رتبة في أي موقع من مواقع السلطة لم يكن هو الأقوى. الأقوى، أي صاحب النفوذ، كان دائما العلوي الذي يظلّ العمود الفقري للنظام الذي هو قبل ايّ شيء آخر نظام عائلي.

كان لا بدّ من وفاة محمد مخلوف (والد رامي مخلوف) كي يكتشف السوريون من خلال النعي ان المتوفّى ابن خالة حافظ الأسد وانّ كل الروايات التي نسجت عن دوره في تسهيل زواج مؤسس النظام من انيسة مخلوف، ليست صحيحة. كل ما في الامر ان انيسة مخلوف لم تكن سوى ابنة خالة حافظ الاسد!

روايات كثيرة ستكشف يوما عن حقيقة النظام. سيكشف يوما سرّ سقوط الجولان في 1967، عندما كان حافظ الأسد وزيرا للدفاع، والعلاقة بين ذلك و»الحركة التصحيحية» في 16 تشرين الثاني – نوفمبر 1970…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.