بقلم د. سمير صالحة – مواجهة روسيّة تركيّة في كازاخستان تحت الطاولة؟ (2/1)

91

تحوّلت كازاخستان في الأسبوعين الأخيرين إلى ساحة اختبار ومواجهة إقليمية جديدة في آسيا الوسطى. من المبكر حتماً القول إنّ البلاد خرجت من دائرة الخطر، وإنّ إعادة الأحجار إلى مكانها الصحيح قد بدأت. حتى لو قبلنا ذلك فإنّ تجاوز أعباء وارتدادات الفاجعة مادياً وسياسياً وأمنياً واجتماعياً سيحتاج إلى فترة زمنية طويلة، فالأرقام الأولى تتحدّث عن سقوط حوالى 200 قتيل و1300 جريح، واعتقال 10 آلاف، وخسارة 3 مليارات دولار، وتبادل واسع للاتّهامات بين السياسيين والبيروقراطيين بالخيانة والتآمر والولاء للخارج.

الورقة الملعوبة كانت استغلال تحرّك الشارع في مواجهة ارتفاع أسعار المحروقات والغلاء، من أجل المطالبة برحيل الحكومة ومحاربة الفساد. لكنّ الرئيس الكازاخي قاسم جمرت توكاييف قال أمام البرلمان وهو يقوِّم ما جرى، إنّ «الكشف عن كلّ تفاصيل ما حدث مسؤولية أولى في أعناقنا. كيف دخل كلّ هذا السلاح إلى البلاد، وكيف انتشرت كلّ هذه الخلايا النائمة من المجموعات الإرهابية، ومن الذي يقف وراءها ويحرّكها؟».

يتطلّب تقويم المشهد الكازاخي حتماً البحث في أسباب الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل البلاد، ثمّ مراجعة التطوّرات في سياسة كازاخستان الإقليمية وعلاقاتها مع دول الجوار والعواصم الغربية المؤثّرة في آسيا الوسطى

سينقشع المشهد أكثر بعد انجلاء سحب الدخان التي تسبّبت بها الحرائق في كازاخستان طبعاً. لكنّ الصورة الحالية الموقّتة تقول:

– إنّ القيادة الكازاخية اختارت روسيا وحلفاء «منظمة الأمن الجماعي» ليكونوا منقذين لها.

– إنّ موسكو بدأت تطهير وتقليص النفوذ الأميركي الغربي في البلاد.

– إنّ المسألة لم تعد تتعلّق بموعد مغادرة القوات الروسية لكازاخستان، بل بما ستتركه هذه القوات خلفها من قرارات وشروط ومطالب تحمي حصّة موسكو وهي تنسحب من المكان.

– إنّ كازاخستان جديدة سيتمّ تشييدها بقرار روسي، لكنّ ساحة اللعب الأساسية ستكون في آسيا الوسطى والقوقاز والبلقان.

 

تركيا وغولن

لا أحد يتحدّث في الداخل التركي عن تفاصيل المخاطر والأضرار التي لحقت بالمصالح التركية في كازاخستان وآسيا الوسطى. يعطي الكلّ الأولويّة لسقوط «المشروع الأميركي» هناك الذي يحاول تحريك أحجار، من بينها مجموعات شباب وطلاب بقايا مدارس «الكيان الموازي» المرتبط بفتح الله غولن، المتّهم الأول بالمحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا قبل 6 أعوام، التي تنسّق مع رجل الأعمال الأميركي جورج سوروس وتتحرّك بأوامره اليوم. هذا إضافة إلى خلايا نائمة لعناصر إرهابية تدرّبت في الخارج وكانت تنتظر إشارة البداية. وروسيا هي التي أفشلت المشروع من أجل تموضع إقليمي جديد. فهل يكفي ذلك لإقناع أنقرة أنّ موسكو كانت هنا فاعل خير ودافعت عن مصالح تركيا أيضاً من خلال إرسال القوات إلى كازاخستان؟

يتطلّب تقويم المشهد الكازاخي حتماً البحث في أسباب الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل البلاد، ثمّ مراجعة التطوّرات في سياسة كازاخستان الإقليمية وعلاقاتها مع دول الجوار والعواصم الغربية المؤثّرة في آسيا الوسطى، والتوقّف بدقّة عند لعبة التوازنات الإقليمية الجديدة في مربّع آسيا والقرم والقوقاز والبلقان.

هل تستسلم واشنطن بمثل هذه السهولة وتقبل هزيمة إقليمية ثانية في كازاخستان بعد خسارتها في أفغانستان؟ مسألة مهمّة طبعاً، لكنّ المهمّ أيضاً هو التعامل مع سيناريو أنّ المواجهة التركية – الروسية في كازاخستان كانت من تحت الطاولة، وأنّ موسكو أصرّت على عدم ترك نور سلطان (العاصمة  الكازاخية) لتركيا، بعد تقدّم فرص الأخيرة وحظوظها في أفغانستان، بالتنسيق مع قطر وباكستان.

أهمّ ما بيدنا من مواقف شبه رسمية تركية معلنة حتى الآن هو ما قاله أحد كبار مستشاري الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأكاديمي والسياسي إحسان شنار قبل أيام: «هناك محاولة احتلال لكازاخستان تحت ذريعة مواجهة الاحتجاجات، وبهدف قطع الطريق على مشروع منظمة الدول التركية». كان هناك محاولة تركية لوصف ما يدور في كازاخستان بـ»يالطا جديد»، مشابه لِما جرى بعد الحرب العالمية الثانية في إطار تفاهمات روسية – أميركية هذه المرّة على حساب الكثير من اللاعبين الإقليميين. لكنّ التراشق الكلامي الأخير بين موسكو وواشنطن حول الوجود العسكري الروسي في كازاخستان ومخاطره أسقط سريعاً هذا الاحتمال.

 

خيبة أمل تركيا

خاب أمل تركيا لأسباب كثيرة، أبرزها:

– أن ترى أنقرة قوات أرمنية في كازاخستان بدعوة من نور سلطان.

– وأنّ ترجّح القيادة الكازاخية التنسيق مع موسكو ومنظمة الأمن الجماعي، في معالجة ملفّ الأزمة، على حساب شركائها في «العالم التركي».

لكنّ أسباب القلق التركي أهمّ، وبينها الاحتمالات التالية:

– تراجع مشروع «اتحاد العالم التركي» بعد اصطفاف دول تركية، مثل كازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان، إلى جانب موسكو في جبهة واحدة.

– تكريس التمدّد والانتشار الروسيّين الاستراتيجيّين الجديدين بدعم وموافقة جمهوريات تركية كانت أنقرة تعوّل على كسبها إلى جانبها في سياسات آسيا الوسطى.

– سيطرة روسية صينية جديدة على خطّ أوراسيا الذي جهّزت تركيا نفسها للجلوس إلى طاولة التفاوض الاستراتيجي حوله.

– تحرّك روسي جديد لإحياء السوفياتية القديمة في مناطق نفوذ تركي بشكل معولم محدَث ومدبلج.

في الخامس من الشهر الحالي دعا الرئيس الكازاخي توكاييف قوات منظمة الأمن الجماعي للتدخّل العسكري. بعد يومين بدأت عمليات الانتشار السريع لقوات النخبة في كتائب المظليين الروس. وبعد يوم واحد، أعلن توكاييف مرّة أخرى أنّ الأمور هدأت، وأنّ قوات الأمن تسيطر على الموقف. ثمّ تابع في اليوم التالي أنّ القوات الأجنبية التي دخلت البلاد «تغادرها اعتباراً من يوم  12 من الشهر الحالي».

فلماذا التسرّع وطلب دعم موسكو ودخول القوات الروسية إلى كازاخستان إذاً؟ ولماذا قرّرت نور سلطان إرسال القوات الوافدة بعد ساعات على قدومها وتحميل موسكو وغيرها من دول المنظمة مثل هذه الأعباء المالية الباهظة؟ أم أنّ الرسالة هي سياسية أمنيّة اقتصادية متعدّدة الأهداف والجوانب؟ وهل يعني ذلك عدم صحّة ما تقوله واشنطن عن أنّ الكرملين أرسل قواته إلى كازاخستان لتبقى، وأنّه لن يكون من وجود رمزي للقوات الروسية، ولا قواعد عسكرية، ولن تحاول موسكو لعب ورقة الأقليّة الروسية في كازاخستان كما فعلت في الأعوام الأخيرة مع أوكرانيا وجورجيا من أجل فرض شروط سياسية وثقافية على القيادة الكازاخية لحماية حقوق هذه الأقلّية التي يصل عددها إلى 4 ملايين نسمة وتمثّل خمس عدد سكّان البلاد؟

عن «أساس ميديا»

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.