بقلم عماد الدين أديب‬ – أميركا – السعوديّة: اللي ما يعرف الصقر… يشويه ١/ ٢

66

ماذا بين الرياض وواشنطن هذه الأيام؟ كيف يمكن تقويم مستوى العلاقات الحالية؟ وما هو أثر تفاعلات الشهور الأخيرة على مستقبل العلاقات السعودية – الأميركية؟

من داخل السعودية، التي أكتب منها هذه السطور، حاولت قدر جهدي، وقدر المسموح بنشره، أن أبحث عن إجابات شافية على هذه الأسئلة الحائرة.

يوجد في العلاقات بين البلدين الثابتُ والمتحوّلُ الذي يدفع بالعلاقات صعوداً وهبوطاً.

بدأ الثابت منذ اللقاء التاريخي بين الملك المؤسّس عبد العزيز آل سعود والرئيس الأميركي التاريخي في “البحيرات المرة”. وقد اتضح حينئذٍ مبدأٌ مفهومٌ من الطرفين، ومفاده أنّ مصالح استراتيجية تربط بين البلدين على الرغم من اختلاف منظومة القيم والأهداف الاستراتيجية بين البلدين.

ظهر ذلك جليّاً في الحوار الذي دار بين الملك عبد العزيز وبين فرانكلين روزفلت، وظهر مكتوباً بشكل رسمي في البيان الختامي الصادر عن اللقاء، والذي عُرِف وقتها باسم مذكّرة التفاهم.

أُعدَّت هذه المذكّرة باللغتين العربية والإنكليزية من قبل العقيد الأميركي ويليام إيدي ونائب وزير الخارجية السعودي يوسف ياسين.

كان الخلاف واضحاً بشكل صريح حول مستقبل اللاجئين اليهود عقب الحرب العالمية الثانية، وحقوق العرب المشروعة في سوريا ولبنان، والزراعة وتنمية الموارد.

منذ ذلك التاريخ والعلاقات بين واشنطن والرياض تدور صعوداً وهبوطاً حول “اختلاف الحلفاء”.

يؤكّد مصدر مخضرم عاصر الكثير من تطوّرات الملفّ السعودي – الأميركي، أنّ “العلاقات تتأرجح الآن بين “الثابت والمتحوّل” في العلاقة. فمقابل قيام إدارة بايدن بمراجعة منسوب العلاقات، فإنّ الرياض أيضاً تسعى إلى خلق سياسات وتحالفات تواجه بها سلوك بايدن الشخصي، وموقف الإدارة الديموقراطية التي تواصل سياسة الضغوط السلبية التي اتّبعها باراك أوباما لمدة 8 سنوات تجاه الرياض”.

يُمارَس الآن مثلّث الضغوط الأميركية التقليدي، السلاح والتصريحات السياسية وتسخين ملف حقوق الإنسان، على الرياض على النحو التالي:

أوّلاً: في التسلّح علاقة دائمة بين رضاء واشنطن عن الرياض وبين حجم ونوعيّة وشروط وتوقيتات شحنات السلاح.

عند الرضاء تمّت الموافقة على صفقة الأواكس التاريخية وسلاح الجوّ المقاتل القاذف، ونظام الدفاع الصاروخي، وتبادل المعلومات الاستراتيجية. وتجلّى ذلك في حرب تحرير الكويت.

وعند الخلاف يعطِّل الكونغرس صفقات، مع رفض لكميّات محدّدة من الأسلحة أو تأخير تسليم قطع غيار أو إيقاف التعاون المعلوماتي في الخرائط لتحديد الأهداف.

ثانياً: في مسائل الوضع الإقليمي ضغطٌ إسرائيلي متواصل من أجل إنهاء العمليات العسكرية السعودية في اليمن، والبحث عن أسرع تسوية سياسية مع الحوثيين.

ثالثاً: في مجال حقوق الإنسان ثلاثة ملفّات:

1- تداعيات ملف الإعلامي السعودي جمال خاشقجي، كما ظهر في مذكّرة هيئة الاستخبارات الوطنية التي نُشِرت بأمر من بايدن شخصيّاً.

2- نشر بعض الوثائق المحظورة عن علاقة الـ15 سعوديّاً الذين شاركوا في عملية 11 أيلول الإجرامية، بطلب صريح وإقرار استثنائي من البيت الأبيض. وهو ما يتيح لأهالي الضحايا تحريك ملفّ قضائي داخل المحاكم المدنية للمطالبة بتعويضات من الرياض. على الرغم من أنّ الوثائق المُفرَج عنها لم تُشِر بأيّ شكل إلى تورّط أيّ مسؤول سعودي رئيسي في هذه الجريمة.

3- استمرار مراكز البحث، ولا سيّما تلك التابعة للحزب الديموقراطي، في التركيز على أوضاع حقوق الإنسان في السعودية.

المذهل أن لا أحد من مراكز البحث هذه التفت إلى الوقائع التالية، بل يمكن القول إنّها تجاهلتها عن عمد:

1- حجم الإصلاحات الاجتماعية والسياسية الهائلة التي شهدتها المملكة منذ عام 2015.

2- سياسة الرياض في مواجهة الفساد الإداري الحكومي بمجموعة من السياسات المستنيرة والإجراءات الرادعة التي لا تميّز بين مسؤول كبير أو بسيط، ولا تراعي كون المتّهم مواطناً عاديّاً أو من العائلة المالكة حتى لو كان صاحب سموّ ملكي.

3- يؤكّد مصدر سعودي: “نحن لا ندّعي أنّنا جنّة الديموقراطية على الأرض، لكنّنا نخوض عملية إصلاح غير مسبوقة يلمسها شباب وشابّات السعودية الذين يمثّلون أكثر من ثلثي التركيبة الديموغرافية في بلادنا”.

ويعود المصدر ليقول: “نسمع اعتراضات وملاحظات، لكنّنا لا نسمع أبداً أيّ انتباه أو تشجيع لِما قمنا به في شأن حقوق المواطنة المتساوية، وتمكين المرأة، والانفتاح الاجتماعي، ومواجهة الإرهاب التكفيري، وتطوير أنظمة التعليم، والانفتاح الإعلامي، وتطوير الخطاب الديني”.

بالتأكيد، في الرياض “مرارةٌ سياسيةٌ” من سلوك إدارة بايدن وفريق السياسة الخارجية الناصح له. نسمع في المجالس الخاصة سؤالاً يتردّد بكثرة في جدّة والرياض: “يعطوننا ليل نهار ملاحظات في حوارات فردية عن حقوق الإنسان على الرغم من أنّ جميعها تمّت وفق القوانين المرعيّة ووفق إجراءات التقاضي المتعارف عليها عالميّاً، ومع ذلك لم نسمع كيف تسعى واشنطن إلى التفاوض والحوار وإعادة تأهيل إيران والإفراج عن أرصدة ورفع عقوبات، مع أنّ سجلّ طهران هو واحد من أسوأ سجلّات حقوق الإنسان في الحقبة الأخيرة بشهادة كلّ المؤسسات الدولية”.

يتبع غداً

عن “أساس ميديا”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.