بقلم عماد الدين أديب‬ – أميركا – السعوديّة: اللي ما يعرف الصقر… يشويه ٢/٢

71

السؤال الكبير، الذي يحاول المحلّل السياسي الإجابة عليه في هذا الملفّ، هو: ما المفهوم الحقيقي والفعليّ للسعودية المقيّدة من منظور إدارة بايدن؟

نكون أكثر صراحة ونسأل: ماذا تريد إدارة بايدن بالضبط من القيادة السعودية الحالية؟

يعتمد المرتكَز الرئيس للإجابة على استراتيجية “المراجعة الاستراتيجية”، التي قامت بها إدارة بايدن، لأولويّات المصالح الأميركية من الآن ولسنوات مقبلة.

تأتي الإجابة من مفهوم الواقعية الجديدة التي تضع المحيطيْن الهندي والأطلسي في الأولويّة المطلقة لمجال الاهتمام والمصالح الاستراتيجية بدلاً من منطقة الخليج العربي والعالم الإسلامي.

هذا الموقف هو موقف عامّ سوف يتأثّر به كلّ حلفاء واشنطن التقليديين التاريخيّين في الشرق الأوسط والخليج العربي.

الخاصّ في هذا الأمر أنّ مفهوم “السعودية المقيّدة” داخل هذه الاستراتيجية له مواصفات محدّدة هي التالية:

1- السعودية المقيّدة أميركياً هي التي يجب أن تُركِّز على الداخل السعودي أكثر من تركيزها على أن تلعب دوراً فاعلاً على المستوى الإقليمي. ومعنى ذلك أن لا حماية للحُكْم في البحرين، ولا عقوبات على قطر، ولا عمليّات عسكرية في اليمن، ولا تأثير في معادلات العراق أو لبنان أو سوريا.

2- السعودية المقيّدة بمفهوم إدارة بايدن هي التي تفتح جسور حوار مع إسرائيل وتصل إلى توافق سياسي واتّفاقات مع تل أبيب.

3- السعودية المقيّدة بمفهوم إدارة بايدن هي تلك التي تحافظ على تشجيع التعاون التجاري والاقتصادي والعسكري مع واشنطن، وتعطي حصّة الأسد للولايات المتحدة، ولا تحاول خلق بدائل مع الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي.

لكنّ “السعودية المقيّدة” بمفهوم الملك سلمان ووليّ عهده تعتمد على إرث آل سعود، ولا تزال تعتمد على رؤى الملك المؤسّس عبد العزيز آل سعود كما ظهرت في مذكّرة التفاهم مع روزفلت. “السعودية المقيّدة” من منظور الملك السعودي ووليّ عهده هي المفيدة لشعبها ومصالحها الوطنية.

هذه ليست شعارات مجرّدة، بل هي تمظهرت بقوّة في مواقف تناقِض المصالح والسياسات الأميركية، مثل:

1- الخلاف حول فلسطين كما جاء في مذكّرة التفاهم.

2- رؤية الملك فيصل الصريحة لإسرائيل والصهيونية كما جاء في مذكّرات هنري كيسنجر.

3- موقف السعودية من قطع إمدادات البترول عقب حرب تشرين.

4- موقف الرياض من زيارة الرئيس السادات للقدس.

5- صفقة الصواريخ الصينية مع المملكة عقب تقاعس الإدارة الأميركية عن توفير السلاح المطلوب للرياض.

6- طرد الملك فهد بن عبد العزيز، رحمه الله، السفير الأميركي “هيوم هوارين”، وترحيله بشكل قاسٍٍ بعدما احتجّ على قرار المملكة السيادي بشراء سلاح من الصين.

7- دخول قوات “درع الجزيرة” إلى البحرين لتأمين النظام في المنامة، الأمر الذي كان يُعاكس الإرادة الأميركية.

وتؤكّد وثائق “ويكيليكس” أنّ أزمة كبرى ثارت بين الأمير سعود الفيصل وبين نظيرته هيلاري كلينتون.

8- المحادثة النارية التي تمّت بين الملك عبدالله بن عبد العزيز، رحمه الله، وبين باراك أوباما، عقب ثورة 30 حزيران 2013 في مصر، والإنذار الصريح الذي وجّهه الملك عبدالله إلى الرئيس الأميركي بأنّ المساس بما حدث في مصر يُعتبر تهديداً صريحاً للعلاقات بين الرياض وواشنطن.

9- بدء حرب اليمن بإرادة سعودية – خليجية كاملة تناقض رغبة إدارة أوباما.

هذا كلّه على سبيل التدليل وليس الحصر، لكنّه يدلّ على أنّ تاريخ العلاقات السعودية – الأميركية هو تاريخ “حلفاء يمارسون تعاونهم وخلافهم دائماً على سطح صفيح ساخن”.

كانت هناك دائماً نقطة فهم تُجنِّب هذه العلاقات الوصول إلى نقطة اللاعودة وهي: “يجب أن تجمعنا المصالح ويجب ألا تُفرِّقنا الاختلافات”.

المتغيِّر الحالي الآن هو دقيق وخطير، ليس أنّ إدارة بايدن لا تريد مناقشة تفاصيل ملفّات أو لديها قائمة مطالب محدّدة، بل لأنّها تسعى إلى مراجعة استراتيجية لأهميّة وطبيعة ودور والتزامات كلّ طرف في هذه العلاقات الاستراتيجية.

لم تعُد للمنطقة الأهميّة نفسها أميركياً، وبالتالي لم يعُد حجم الوجود وطبيعته هما السائدين، فواشنطن تقوم الآن بضبط وإدارة الأمور عن بُعد مرتكزةً على نقاط في قطر وتركيا، وعلى الوجود البحري الدائم في المنطقة، مع قوّة نيران تُدار إلكترونياً عن بُعد آلاف الأميال.

مركز الاهتمام الأميركي هو في المحيطيْن الهندي والأطلسي، والعدوّ ليس إيران أو أفغانستان أو العراق، بل الصين وروسيا وكوريا الشمالية.

ومركز الاهتمام في تلك المنطقة يُدار عبر اتفاقية T.P.P التي تهدف إلى إعادة التوازن التجاري في المنطقة من خلال 11 دولة في آسيا والمحيط الهادئ لمواجهة التمدّد التجاري الصيني.

إذاً، نحن أمام 3 إشكاليات جوهرية:

1- انتقال مركز الاهتمام الأميركي من المنطقة إلى منطقة أخرى تماماً.

2- التناقص التدريجيّ للأهميّة الاستراتيجية للنفط في مجال الطاقة العالمية، ولتوافر احتياطات ضخمة لدى الجانب الأميركي في جنوب تكساس.

3- وجود فريق سياسي أيديولوجي مسكون برؤية جامدة في إدارة بايدن التي تسعى إلى فرض سياسات وقواعد وقيم تعتمد على “براغماتية انتهازية” تبيع أيّ حليف بأرخص الأثمان.

مَن يعتقد في واشنطن أنّ مراجعة العلاقة مع دول المنطقة، وبالذات مع السعودية ومصر والإمارات، لن تؤدّي، بالضرورة، إلى مراجعة مضادّة من قبل هذه الدول، فهو “جاهل أو واهم” ولا يفهم أيّ شيء من صفات قادة هذه الدول.

في الرياض يتعاملون مع واشنطن على أنّهم شركاء أو أصدقاء أو حلفاء، لكنّهم لم يكونوا يوماً ولن يكونوا “تابعين أو دولاً “ماريونيت” تحرِّكها إرادة دولة أخرى كائنةً من كانت.

ما تعتقد واشنطن أنّه مراجعة استراتيجية هو في حقيقة الأمر، وكما سوف تُثبت الأيام، خطيئة استراتيجية سوف تندم عليها المصالح الأميركية إلى الأبد.

إنّها أزمة إدارة أيديولوجية فاقدة لفهم طبيعة وحقيقة مواقف ومصالح وثقافة وتاريخ حلفائها.

إنّها أزمة جهل الواقع والوقائع!

وأصدق تعبير عن هذه المعضلة هو ذلك المثل الشعبي السعودي، الذي يأتي من أعماق “نجد”، والقائل: “اللي ما يعرف الصقر… يشويه”.

عن “أساس ميديا”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.