بقلم عماد الدين أديب – «الابتزاز السياسي» في اختيار «بري»!

508

أسوأ أنواع الابتزاز هو الابتزاز السياسي، وأكثرها قسوة هو نموذج «الابتزاز السياسي للنخبة السياسية اللبنانية»، وأكثرها قسوة إيضاً هو ما نشهده هذه الايام من قيام جميع القوى الفاعلة بابتزاز نبيه بري في لعبة اختياره رئيساً -مرة جديدة- لمجلس النواب!

الجميع متداخل في اللعبة، يريدون ثمناً عالياً مكلفاً كي يعطوه الأغلبية اللازمة لحصوله على هذا المنصب الحسّاس.

وحينما أقول الجميع، فإنني أقصد بذلك الجميع -من دون استثناء- بدءاً من أنصاره في حركة أمل مروراً بحليفه حزب الله شريكه في الثنائية الشيعية، إلى التيار الوطني الحر، وصولاً إلى الأصوات المستقلة، إلى «حزب القوات» الذي أعلن رفضه لترشيحه.

جذور لعبة الابتزاز السياسي في لبنان لها علاقة أصيلة بالثقافة المجتمعية في هذا البلد الذي عاش منذ عهد الفينيقيين على التجارة والبيع والشراء والمقايضة.

وعقب دستور ١٩٤٣ دخل لبنان مرحلة الوكالات التجارية العالمية في ظل اقتصاد حر، بمعنى حر في كل شيء وأي شيء وبأي أسلوب مشروع أو غير مشروع.

وأصبحت قوة المحاصصة السياسية هي الباب الملكي للحصول على الوكالات سواء التجارية أو الخدمية أو وكالات خدمة مصالح دول خارجية.

وأصبح مصدر المال الوفير له ٣ أبواب معروفة:

١- الوكالة السياسية للخارج.

٢- «المال الأسود» الآتي من كافة أشكال الفساد: تهريب، تجارة سلاح، زراعة وتجارة مخدرات، تشكيل ميليشيات، أتاوات، فساد في المال العام، سطو على أراضي عامة أو خاصة، والأخطر هو منهج ومبدأ «السمسرة» أو العمولة.

وتم قبول مبدأ «العمولة الملزمة» في كافة أوجه الحياة اللبنانية من خلال القيام بالتعريف بالزبون أو تسهيل العلاقة أو استخدام النفوذ أو الوصول بها إلى مرحلة الإنجاز النهائي.

وأصبح مفهوماً أن مقابل السمسرة مفتوح بأشكال مختلفة أكانت نقداً أو حصصاً عينية أو عقاراً أو منصباً او دعماً سياسياً أو تسويقاً إعلامياً.

هنا، وهنا فقط لم تعد هناك أي علاقة ارتباط بين «القيمة الحقيقية» وبين «السعر المطلوب»!

ليس مهماً أن تكون هناك قيمة، ولكن الأهمية المطلقة هي للسعر.

وساد مبدأ متفق عليه مسكوت عنه بين الجميع وهو أن أي شيء في لبنان قابل للبيع أو الشراء طالما هناك توفر للسعر المناسب»!

بهذه الخلفية الفكرية التي أصبحت نوعاً من «النظام القيمي» في الحياة العامة اللبنانية وفي أسلوب المعاملات بين القوى السياسية والنخبة الاقتصادية.

وبهذا المفهوم تُدار كل القرارات والصفقات والصراعات وتبدأ وتنتهي المقايضات السياسية.

في لبنان -للأسف الشديد- لا شيء مجانياً، ولا قرار معياره الأساس الصالح العام قبيل الانتفاع الشخصي.

في لبنان -للأسف الشديد- قواعد اللعبة السياسية المتفق عليها من كافة الأطراف: «ما هو الثمن»؟

الآن نحن في قمة موسم الابتزازات والمقايضات والعطاءات في النظام السياسي اللبناني.

بدأنا بالانتخابات البرلمانية، وهذه الأيام دخلنا في لعبة ومقايضات تسمية رئيس المجلس ونائبه وهيئة المكتب واللجان.

الجميع يلاعب «أبو مصطفى» في مسألة تجديد اختياره للرئاسة.

داخل حركة أمل الدعم غير مشروط ولكن لا مانع من تأمين اسم خليفته هذه المرة في الحركة.

في الثنائي الشيعي سوف يقف حزب الله بكل قوة لدعم رئاسته ولكن مع تسجيل موقف واضح يدركه «بري» ويجب أن يدركه المجتمع الشيعي، هو أن «القوة الفصل» و»القوى الحاسمة المقبلة» والممسكة بالمفصل السياسي الرئيسي في البلاد هي الحزب!

في حزب القوات أعلن «الحكيم» أنه لن تتم تسمية «بري»، وأعلن من داخل القوات تسريباً واضحاً بأنه لن تتم مقايضة اختيار بري مقابل اختيار غسان حاصباني لمنصب نائب رئيس المجلس.

ويأتي «اللاعب المعلم» وليد جنبلاط كي يلاعب الجميع بحصيلة الصوت الدرزي في هذا المجلس كي يكون قوة مغلبة وحاسمة في عملية التصويت، ولكن كعادته سيتخذ قراره مقابل أفضل سعر يُعرض عليه!

والأمر الواقع أن صوت المجتمع المدني مع «الكتائب» مع المستقلين ليس لديهم اسم شيعي للمنافسة لأن الثنائي الشيعي فاز بكل الـ٢٧ مقعداً المخصصة للشيعة ولكن من الممكن أن يتعاونوا مع «القوات» لجعل جلسة التصويت على الاختيار من أصعب جلسات اختيار رئيس للمجلس منذ ٧ دورات يتم فيها استعراض فائض القوة الجديد الذي طرحته محصلة الانتخابات.

حقاً لبنان ضحية منطق أن كل شيء له ثمن مادي أدى إلى ضياع قيمة أشياء تاريخية منتهية الصلاحية اسمها: الصالح العام والأخلاق والوطنية الخالصة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.