بقلم: عماد الدين أديب – السعوديون الجدد: لماذا؟ (1)

46

من يصدق أن ندوة ثقافية ذات مستوى رفيع من الجدل والنقاش تحظى بآلاف المتابعين الجادين من الشباب والشابات في زمننا هذا؟

تابعت ذلك بنفسي، في مسرح مفتوح كبير، مساء أمس الأول في «الرياض»، ولا أقول الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية، ولكن أقول «الرياض» الجديدة عاصمة السعودية التي تشهد أسرع وتيرة من التحديث والإصلاح والتطور في عصرها منذ الأسرة السعودية الأولى، أي منذ أكثر من 300 عام.

لم أكن أتابع ما يحدث على شاشات المسرح، بقدر ما كنت أتأمل وأتفحّص جيداً نوعية الحاضرين والحاضرات للندوة، وردود فعلهم تجاه ما يحدث على المسرح، إنه جيل متفتح عصري خالٍ من عُقد الشرق العربي، أقرب إلى الحداثة والتمدن الرفيع.

كانت الندوة محاولة لإعطاء لمحات ملهمة لتجارب عالمية ناجحة يمكن أن تساعد الشباب السعودي على معرفة سر النجاح وطريق الإبداع وأسباب التميز والتفوق.

7 متحدثين، منهم «تيري هنري»، لاعب الكرة الفرنسي العالمي ومدرب الكرة الآن في كندا، ومنهم صاحب ابتكار تطوير نظام «أنتل» العالمي، ومنهم صاحب كتاب «السعي للنجاح» الذي تحول لفيلم شهير بطولة «ويل سميث».

وجاء مسك الختام من خلال حوار عميق مع الأمير الشاعر عبدالرحمن بن مساعد للتعرف على ثلاثية نجاحه في الشعر، والرياضة، وقيادة الرأي العام في «تويتر».

مثلث يندر أن يجتمع في مشوار رجل واحد، فيه الإبداع، والإدارة، والعمق السياسي.

المشترك الأساسي الذي اتفق فيه المتحدثون السبعة، وآخرهم الأمير عبدالرحمن، هو أن «التميز والنجاح والتفوق» يتم من خلال الإيمان الكامل، الذي يصل إلى حد الإصرار المطلق، بضرورة النجاح.

من هنا لا مجال لاحتساب احتمال الفشل، فأنت إما أن تنجح أو أن تنجح.

وتوقفت طويلاً أمام ما قاله الأمير عبدالرحمن عن «تعلم الإنسان الدروس من إخفاقاته ونتائج تراكم أخطائه».

الندوة من تنظيم جمعية «مسك» التي يرعاها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والتي تسعى إلى رفع مستوى جودة الحياة من خلال رفع الوعي الثقافي وتعظيم المهارات والقدرة على الإبداع.

والندوة أقيمت في مسرح داخل أكبر قطعة فضاء عند أطراف الرياض، تضم مسارح ودور عرض، وحلبات مصارعة حرة وملاكمة، ومطاعم عالمية وقاعات حوار وفن تشكيلي ومحال منتجات محلية من ملابس وعطور ومشغولات.

من يصدق أن هذا يحدث في الرياض؟

أذكر أنني حينما زرت الرياض للمرة الأولى في ربيع 1977، وقابلت أميرها وراعي نهضتها -حينئذ- الأمير سلمان بن عبدالعزيز الذي تولى تشييدها من الألف إلى الياء منذ العام 1954 قال لي: «إننا نعد لعاصمة تليق بهذا البلد، وهذا مشروع إصلاحي لن يتوقف أبداً، ولكن سنشعر بآثاره الإيجابية على مدار كل عقد من الزمن».

وأشهد أنني كلما زرت الرياض، منذ ذلك التاريخ، أرى فيها تطوراً مذهلاً في البناء والعمارة، وتأكد لي كلام الرجل.

الجديد في الرياض الجديدة أنها لا تتطور في «عمارة الحجر» فقط، ولكن في تطوير وتحديث البشر.

انظر، ها هي المرأة تقود سيارتها في أمان في السعودية.

انظر، ها هو الفن الراقي في كافة مدن السعودية، بعدما كان يُعتبر رجساً من عمل الشيطان.

ها هي منطقة عظمى للترفيه تقام على مساحة 14 مليون متر، فيها 12 موقعاً، وزارها حتى الآن أكثر من 8 ملايين زائر!

انظر، ها هو الترفيه العائلي على أرفع مستوى، بعدما كانت العائلات تسافر له كي تستمتع به في دبي وبيروت ولندن ولوس أنجلوس.

انظر، ها هي أضخم مطاعم العالم مثل «شبيريا تي» و»لو بيتي ميزون»، و»سكاليني» إلى أهم مطاعم السوشي اليابانية، إلى ألطف المقاهي اللبنانية «بيتي كافيه»، و»الفلمنكي» وقهوة عزمي، إلى الطعام المصري الشعبي مثل «قصر النيل» و»كشري جحا» وكبدة وطواجن البرنس، إنه مشروع عملاق قام على تنفيذه أكثر من 280 شركة سعودية.

جودة الحياة في الرياض وكافة المدن السعودية، من القصيم إلى أبها، ومن عسير إلى جدة، ومن الدمام إلى العلى.

ها هي السعودية ترى يحيى الفخراني في «الملك لير»، وعمر خيرت في معزوفاته، وعمرو دياب (الهضبة) في حفل أسطوري، وأشرف عبدالباقي في مسرحية لطيفة، ومحمد رمضان في حفل شبابي.

حدث ذلك الزلزال دون انقلاب، أو هزة اجتماعية، أو غضب شعبي، أو شعور برد فعل اجتماعي، بعدما كان الجميع يحذرون صانع القرار دوماً منه!

جاءت «جودة الحياة» كي تعبّر عن احتياج متراكم لدى الناس منذ عقود، وتعبير عن التركيبة السكانية لمجتمع شاب انفتح على ثورة الاتصالات، وتلقى تعليمه بلغات أجنبية، ويُعد من كبار مستخدمي وسائل الاتصال في العالم الرقمي، ولديه أكثر من 350 ألف مبتعث للتعليم في الخارج خلال العقد الماضي.

إذا كان المواطن السعودي ينفق مليارات كل عام بحثاً عن جودة الحياة في الخارج، فلماذا لا يتم توفيرها له داخل وطنه، ويبقى العائد والإنفاق داخل الوطن؟

«جودة الحياة» ليست صدفة، أو مجرد رغبة شخصية للقيادة السعودية، لكنها «التزام وتعهد وتعاقد بين الدولة والمواطن»، كما جاء في برنامج رؤية 2030 الذي قسم الرؤية لقسمين:

أولاً: تطوير القطاع المالي.

ثانياً: تطوير جودة الحياة.

وكأنه ترجمة لفكرة إعمار البشر بالتوازي مع إعمار الحجر، أي إنك لا تستطيع أن تنهض بالاقتصاد والأسواق وتطوير الخدمات دون أن يتوازى ذلك مع «نوعية وجودة» الإنسان الذي تتوجه له بكل هذه الإصلاحات. من هنا تصبح مسألة تطوير جودة الحياة هي عمل سياسي بامتياز.

تلك كانت ملاحظة كل شركات البحوث والدراسات التي قامت بتشخيص حال البلاد والعباد داخل السعودية في العقود الأخيرة، بل إن بعضهم كتب صراحة في تقرير رسمي في دراسة طلبتها إحدى الوزارات في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- «لا يمكن أن تتسوق المملكة أحدث المنتجات الاستهلاكية في العالم وتتعامل معها بقيم القرن الماضي».

هنا لا بد من معرفة الإجابة عن السؤال الجوهري والأساسي لفهم حركة التحديث التي تعيشها المملكة بشكل متسارع منذ 23 كانون الثاني – يناير 2015، أي منذ تاريخ حكم الملك سلمان بن عبدالعزيز للبلاد، وهو: لماذا أقدم الملك سلمان على هذا الاختيار؟ ولماذا اختار الأمير محمد بن سلمان من بين أكثر من 6 آلاف أمير لولاية العهد؟!

الإجابة غداً بإذن الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.