بقلم عماد الدين أديب – الفصل قبل الأخير في مسرحية أثيوبيا!

150

هل التعنّت الأحمق لأثيوبيا حول ملف «سد النهضة» هدفه النهائي هو تخريب الاتفاق؟ أم تحسين شروط الاتفاق؟

في علم المفاوضات هناك من يتشدّد لأقصى حد للحصول على أفضل الشروط، وهناك من يتشدّد لآخر مدى بهدف نسف مبدأ التفاوض.

في الحالة الاثيوبية فإنّ العقل السياسي الحاكم لسلوك رئيس الوزراء آبي أحمد يعتمد على العناصر التالية:

١- إن ملف السد هو قضية وطنية محلية بامتياز قبل أن يكون ملفاً من ملفات السياسة الخارجية.

٢- إستخدام ملف سد النهضة كقضية وطنية لتجميع مجتمع فيه إنقسامات قبلية وعرقية ومناطقية وسياسية حادة للغاية.

٣- إن تسويق المسألة في الداخل والخارج يقوم على ٤ أمور يتم طرحها كحقائق:

أ- ان ٨٦٪ من مياه النيل في المنبع مصدرها أثيوبيا.

ب- ان ٦٦٪ من الاثيوبيين يعيشون في فقر في طاقة الكهرباء.

ج- إن المشروع حلم وطني عمره نصف قرن، وقد حان تحقيق هذا الحلم مهما كانت التضحيات والتكاليف.

د- الإدعاء بأنّ الاتفاقات التاريخية الخاصة بحصص المياه تمّت في ظل هيمنة إستعمارية على حد وصفهم وهي أكذوبة ومغالطة تاريخية لأنّ أثيوبيا لم توقّع أبداً على أي وثيقة خاصة بحصص مياه النيل إلاّ وكانت مستقلة كاملة السيادة.

أخطر ما في العقل السياسي الاثيوبي اليوم هي أنها تتصرف في مسألة حصص المياه وكأنها الدولة المالكة صاحبة الحق الحصري في هذا الأمر رغم أنّ الحقيقة الثابتة هي:

١- أنّ مياه الأنهار «هي مسألة تخضع لقواعد القانون الدولي ولاتفاقات قانونية ملزمة نظمتها اتفاقيات متعددة لمياه الأنهار والمجاري المائية وهي قواعد يتعامل بها الجميع منذ ٧٠ عاماً.

٢- ان نهر النيل هو مجرى مائي عالمي لا فرق فيه في الحقوق أو الإمتيازات بين دول المنبع ودول المصب.

كان التعنّت الاثيوبي في السابق يعتمد على:

١- أهمية الملف داخلياً.

٢- الدعم القطري – التركي الغير محدود لهذا السلوك الاثيوبي لأنه كان أحد أدوات الضغط والتأثير على مصر قبيل الحديث عن المصالحة بين الدوحة والقاهرة وتصريحات أنقرة التي تسعى للتقارب مع القاهرة.

٣- تعاطف بعض دول الاتحاد الافريقي مع الطرح الاثيوبي.

٤- سلبية الموقف الدولي.

٥- الفهم الخاطئ من قبل اثيوبيا على التفهّم المصري للإحتياجات الاثيوبية وعدم إعلان مصر -أبداً- عن سياسة إلاّ سياسة الحوار.

٦- إختلاف الأنظمة والمصالح بين القاهرة والخرطوم في عهد البشير، وهو ما حدث فيه تحوّل كامل في العهد الجديد للحكم في السودان الآن.

ثم حدث المتغيّر الرئيسي الآن وهو تصريح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قناة السويس بأنّ استمرار التعنّت الاثيوبي إذا ما أثر على حصة مصر التاريخية من مياه النيل هو خط أحمر سوف يؤدّي -حكماً- باللجوء الى اسلوب ما بعد فشل التفاوض.

باختصار، تصريح الرئيس السيسي هو تصريح قوي وصريح وواضح باللجوء الى القوة العسكرية إذا ما تم المساس بحصص مصر إذا ما تم الملء الثاني من دون اتفاق.

لن تقبل القاهرة سياسة الإرغام التي كان يراهن عليها آبي أحمد بخلق أمر واقع بعد مائة يوماً من الآن بملء السد دونما أي اتفاق.

مشروع آبي أحمد يعتمد على فلسفة دعونا نملأ السد ثم نفاوضكم من منطق اليد العليا والأمر الواقع، بحيث تكون اديس ابابا هي الطرف الممسك بمفاتيح حصص المياه لمصر والسودان كما تحب وكما تريد.

منطق القاهرة والخرطوم عادل وواضح ومباشر: دعونا نتفق صراحة من خلال اتفاق دولي قانوني ملزم ومفصّل ودقيق قبل الملء وليس بعده، بحيث لا يكون اتفاق فيه مصلحة كاملة لطرف واحد (وهو اثيوبيا) وخسارة كاملة لطرفين (مصر والسودان).

لن تقبل مصر أبداً سياسة أن تكون أثيوبيا هي الطرف الممسك «بصنبور مياه» النيل يتحكم -وفق مزاجه ومصالحه- بالمنح أو المنع لحجم وتوقيت وأسلوب توزيع حصص المياه.

ببساطة، هذا أمر لن تقبله الأنظمة ولا الشعوب في مصر والسودان وهي مسألة حياة أو موت غير مسموح التلاعب فيها ولا المقايضة حولها.

مسألة مياه النيل، في حال استمرار التعنّت الاثيوبي، هي مسألة لا تحتاج في القاهرة والخرطوم الى تسويق سياسي للقيام بإعلان حرب عسكرية ضد أثيوبيا.

يدخل المفاوض الاثيوبي الآن غرفة التفاوض مع الجانبين المصري والسوداني هذه المرة وهو يدرك -بما لا يدع مجالاً للشك- ان لعبة المراوغة قد وصلت الى نهايتها وأنّ لحظة الخيار الصعب قد وصلت.

الخيار الصعب الآن هو أن تختار اديس ابابا بشكل لا يحمل أي إلتباس أحد الخيارين:

الأول: أن يوقع المفاوض الاثيوبي على اتفاق قانوني ملزم فيه تفاصيل فنية ومبادئ صريحة واضحة فيها قواعد منظمة وآلية صريحة مفصّلة لفض النزاعات أو الخلاف حول التفسير الحرفي للنصوص الموقع عليها.

الثاني: ان تستمر في المراوغة الى ما لا نهاية وتبدأ في إجراءات الملء الثاني من دون التوصّل الى اتفاق فتكون بذلك قد تركت الباب مفتوحاً أمام إحتمال واحد وحيد ومؤلم وهو الصدام العسكري.

لعبت أثيوبيا طوال ٦ سنوات لعبة الحركة من دون أي تقدم، والمراوغة ببراعة من أجل الوصول الى تلك المرحلة الزمنية التي تحياها الآن.

هدف آبي أحمد هو أن يتحكم في ٨٦٪ من مياه النيل بحيث يصبح البائع الأول للمياه والكهرباء في أفريقيا!

رغم ذلك كله لن ينجح!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.