بقلم عماد الدين أديب – لا حول ولا قوّة «إلاّ» بالله

1٬001

كان نيكولو ميكافيللي يقول ناصحاً أميره الحاكم: «يهلك من يدخل الأخلاق بالسياسة».

وبناء على هذه المقولة كان هناك تبرير منطقي لمنطق «الغاية» (أي غاية) تبرّر «الوسيلة» (أي وسيلة).

بهذا المفهوم فإنّ لعبة الحكم، ومعترك السياسة، والدخول في السلطة هي مسألة بلا خطوط حمراء.

من هنا كان منهج الغدر والخيانة والتصفية وبيع الضمائر والإقالة والدسائس ومؤامرات السلطة وتلفيق الإتهامات، وتزوير الحقائق والزج بالمخالفين في السجون والمعتقلات بل التصفيات الجسدية والإخفاء القسري وعقاب الاسر القريبة والاسر الممتدة والإضرار بالمصالح ومصادرة الممتلكات وتشويه السمعة ومس الأعراض والشرف الإنساني، كل ذلك متاح ومقبول إذا لم يكن هناك خط أحمر أخلاقي.

الغدر في السياسة يأتي من الشخصيات اللاأخلاقية، الوصولية.

الوصولي -حكماً- يجب أن يتسم بالنفاق الانساني والسياسي.

الخائن غادر، والقادر منافق أو المنافق آثم دينياً، مرفوض أخلاقياً، ساقط إنسانياً.

أعظم وصف لحالة النفاق السياسي هي حالة من يصلي خلف سيدنا علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وتسعى للجلوس على موائد سيدنا معاوية بن ابي سفيان رضي الله عنه.

تصلي خلف علي وتجلس على موائد معاوية يا لها من عملية نصب كبرى وتناقض جذري!

الخيانات قديمة في تاريخ العرب القديم ولكنها تصبح هزيلة إذا قورنت بخيانات ساسة تونس في عهد بورقيبة وبن علي والمرزوقي، وتصبح هزيلة إذا ما قورنت بعهود عبد السلام عارف وصدّام وما بعد سقوط بغداد والعهد الحالي، وتصبح هزيلة إذا ما قورنت بعهود المحجوب والازهري ونميري والبشير، وإذا ما قورنت بعهود الإمام يحيى والسلال والحميدي والارياني وعلي عبدالله صالح والحوثي في اليمن، وإذا ما قورنت بتاريخ الاتاسي وحافظ الاسد وبشار الاسد في سوريا، وإذا ما قورنت بعهود اميل لحود والشهيد الحريري وميشال عون في لبنان.

هذه عينة وجزء من كل، في تاريخ الغدر وبيع الحلفاء وتصفية الخصوم واغتيال الأعداء.

وأذكر ان السياسي اللبناني المحترم ريمون إدّه قال لي في جنوب فرنسا في عطلة الصيف حيث كان يعيش في منفاه الاختياري في أوائل التسعينات «ان معظم الساسة العرب على استعداد للمبيت في فراش أي من الخصوم أو الأعداء مثلهم مثل بائعات الهوى».(!!)

كان مستشار الملكة أليزابيت الاولى ينصحها دائماً: «على جلالتك أن تنسي قلب المرأة وهي تحكم». ثم عاد وقال لها «لا قلب ولا عاطفة في السياسة».

السياسة، كما يجب أن تكون، هي تكليف، وليست تشريف، وهي خدمة الوطن والمواطنين وهي ان يصبح الحاكم خادماً لشعبه وليس العكس.

السياسة كما يجب هي عمل وطني، أخلاقي، يسعى فيه السياسي الى نفع الناس تطبيقاً لقول سيّد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام «خير الناس أنفعهم للناس». من هنا يجب أن يكون فعل الخير وإقامة العدل والإنصاف هي هدف الحاكم.

كم من حقوق البلاد والعباد ضاعت من أجل عمولة أو سمسرة فساد؟ وكم من الشخصيات صعدت او سقطت بسبب علاقة نسائية؟ وكم من الشخصيات التي فقدت مناصبها او غابت في دهاليز السجون والتعذيب بسبب وشايات ملفقة وكاذبة؟

كم من الدمار الذي أصاب الساسة والسياسة بسبب عقد نفسية أو مصالح شخصية فاسدة أو مخاوف صراع على المنصب؟!

السلطة أو بالأصح جنون السلطة لا يعرف الأخلاق ولا يقيم وزناً للمشاعر والعواطف ولا يعترف بصلات الدم.

آل عثمان من السلاطين الاتراك كانوا يقومون، فور توليهم السلطة، بقتل كافة أبناء ونسل ونساء وكل من كان ينتمي لشقيقهم الحاكم السابق حتى لا يبقى من يمكن أن يخلفه من نسله أو نسل قبيلته أو أقاربه من درجة من درجات القرابة.

الرئيس الراحل صدّام حسين أعدم زوجي ابنتيه رغد وحلا بسبب معارضتهما للنظام رغم انهما عادا بوعد وعهد من الامان والتأمين تحت دعوى انه حق الرئيس أن يعفو ولكن ليس مقبولاً أن تعفو «العشيرة» عن الخيانة! لذلك أعدما بقرار من العشيرة.

الرئيس التونسي الراحل، عزل زوجته وسيلة، وابنه بورقيبة الابن، ورئيس ديوانه بسبب سيطرة السيدة القوية سعيدة ساسي.

الخليفة هارون الرشيد ذبح مستشاره الاول وتوأم روحه جعفر البرمكي وأمر بإعدام كل طفل وامرأة وشيخ من آل البرامكة في بغداد في لعبة الخوف من صعودهم واحتمال سيطرتهم على الحكم!

الرئيس جمال عبدالناصر، فقد صديق عمره ورجله الاول في الجيش والحكم المشير عبدالحكيم عامر من أجل الحفاظ على نظام يوليو عقب هزيمة يونيو ١٩٦٧.

في تاريخ العرب المعاصر، لا عزيز ولا غال ولا شخص لا يمكن التضحية به مهما كان الثمن، ومهما كان الشخص.

لذلك، يخطئ تماماً من يأمن مكر السلطة ومن يعتقد انه في حماية حاكم أو فرد أو حزب أو حماية أو سلطة أو مؤسّسة.

درس السياسة العربية، والسياسة عموماً كل إنسان قابل للتضحية به ولمقايضته وبيعه مقابل السعر المناسب، في الوقت المطلوب!

درس الحياة الخالد، كل إنسان هالك ولا يبقى سوى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام.

ولا حول.

ولا قوّة.

إلاّ

بالله!

إقرأ هذه العبارة مقسّمة على هذا النحو تفهم مركز القوة الوحيد والمطلق واللانهائي في هذا الكون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.