بقلم: عماد الدين أديب – لبنان: «ثورة على فساد الطوائف» (1)

106

إنفجر الناس في لبنان ليس احتجاجاً على قضية بعينها، لكن رفضاً للنظام كله من دون استثناء!

لبنان مربع الطائفية، الفساد، الاحتراق الاقليمي والدولي، المحاصصة في الحكم والسياسة والفساد هو الخلطة السحرية المؤدية – حكماً – الى الغضب العارم المؤدي للانفجار.

ما يحدث في لبنان – حتى الآن – هو حركة مطلبية تلقائية من جماهير »كفرت من استحالة الحياة فكفرت بكل واكرر كل النخبة والطبقة السياسية في البلاد.

نادي الـ5 الاف سياسي لبناني العائلي الطائفي الذي يزاوج بين البيزنس والسياسة والذي يتعيش في كل أعمال السمسرة الغير مشروعة هو الذي يتناول الحكم والادارة العليا والمناصب الاساسية في كافة المؤسسات التنفيذية والامنية منذ العام 1943.

انتقل لبنان من بيزنس الخدمات والسياحة الى بيزنس الحرب الاهلية (سلاح – مخدرات – اتاوات – ميليشيات) لمدة 17 عاماً الى بيزنس توزيع المصالح على لوردات الحرب الاهلية اللبنانية.

كانت الصفقة التي اقنعت لوردات الحرب الاهلية ان يعم استبدال بيزنس الحرب ببيزنس جديد يقوم على »بيزنس السلم الاهلي« (الارض – املاك بحرية – مولدات كهرباء – غسيل اموال – تهريب بضائع – زراعة مخدرات – فساد وسمسرة حكومية).

تم اغتصاب المال العام في حكومات متعاقبة وأصبح المنصب الرفيع الحكومي هو مقدمة للانتفاع الشخصي عبر فساد عميق لا ضمير له امتص دماء الطبقات الكادحة.

ومع انخفاض تحويلات المغتربين اللبنانيين من العالم العربي وافريقيا بسبب سياسات توطين الوظائف، ومع هبوط السياحة في لبنان ومع زيادة  الدين العام الى 120 مليار دولار استحالت الحياة اليومية وحدث تهديد وجودي للطبقات الكادحة وتآكل كافة شرائح الطبقة المتوسطة النشطة في لبنان.

ارتفع عدد العاطلين من العمل الى 40٪ من قوة العمل في البلاد، وأصبح الحديث عن ارتباط العجز الحكومي بمصالح شخصية لاساطين المافيا السياسية في لبنان.

أصبح معروفاً ان قضايا النفايات والكهرباء والاملاك البحرية والغاز يرجع الى فساد مخيف تم فيه توزيع المغانم على الطبقة السياسية الحاكمة.

أصبح التوريث السياسي العائلي داخل الاحزاب التقليدية أمراً مفروغاً منه وأصبح الاقطاع السياسي المتزاوج مع الفساد.

وأصبح كل فريق يستقوي بفريق من الخارج، وتحول الصراع الداخلي هو تعبير حقيقي عن الصراع الاقليمي في المنطقة.

1 Banner El Shark 728×90

أصبح المال السياسي هو شريان الحياة للاحزاب الرئيسية في البلاد وتحول رؤساء هذه الاحزاب وكلاء، بل عملاء للقوى التي تمولهم.

انها مقادير – لا شك فيها – لكعكة التدهور والانهيار المؤدي الى الفوضى.

ثار الناس وانفجروا بعدما أصبحت فاتورة الكهرباء والغاز والماء والموبايل وحدها أضعاف مرتبهم.

ثار الناس لأن سعر ربطة الخبز وجالون البنزين، وجالون المياه غير متوفر لدى الملايين.

أصبح »زي المدرسي«، وفاتورة الدواء، أموراً شبه مستحيلة تكسر وتقهر أرواح الطبقات المقهورة اجتماعياً، المهملة سياسياً، المحبطة انسانياً.

نفد صبر الناس، وأصبحت ثورتهم ضد الجميع، وأصبح كفرهم مطلقاً بكل واكرر كل الطبقة السياسية.

ضاعت الثقة تماماً لدى الجماهير بالعائلات والاحزاب والطوائف والرموز التقليدية، والقيادات الروحية كلها، واكرر كلها.

هذه الحركة ليست حركة تيار ضد آخر، او طبقة ضد أخرى، او حزب ضد آخر.

هذه الحركة ليست جزء مؤامرة كلية او اقليمية او دولية انها حركة جذرية تلقائية معبرة عن نفاد صبر الملايين الموجوعة الغاضبة.

الصراع الآن يتخذ هذه المرة طرفي صراع جديدين هما: الطبقة التقليدية السياسية ورموزها التي تدير النظام السياسي من 1943، مقابل جماهير الشعب التي تعيش على أرض لبنان منذ العصر الحجري حتى الان.

إنه صراع بين انهيار عهد ودولة ونظام وطبقة حاكمة او انهيار تماسك شعب ودولة وتحويلها – لا قدر الله – الى دويلات وفوضى ودماء.

هناك شيء جذري تغير في عقول ونفوس ووعي الناس، وهو أمر لم تفهمه او تستوعبه الطبقة السياسية التصعيدية حتى الان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.