بقلم عماد الدين أديب – مأساة الإعلام العربي!!

147

تعيش الحكومة في عالمنا العربي وهماً مخيفاً وهو أنها تسيطر على مفاصل وسائل الإعلام سواء الحكومية أم الخاصة!

هذا الوهم مبعثه أنّ الرأي العام العربي لم يعد يتلقى الجرعة الأساسية من أخباره وإعلامه ومعارفه من وسائل الإعلام التقليدية!

يأكل ويشرب وينام ويفكر ويبيع ويشتري ويحاور ويتحاور ويعلم ويتعلم ويتسوّق ويسرح ويقرأ ويشاهد كل ما يريد ويحب من وسائل التواصل الاجتماعي.

أصبح الانسان العربي، وبالذات عقب عصر «كورونا» أسيراً داخل الشبكة العنكبوتية يؤثر فيها ويتأثر بها أكثر من تأثره بشاشة تلفزيون أو قناة إذاعة أو صفحة ورقية لجريدة.

وما زالت الحكومات العربية تنفق المليارات وتدعم محطات تلفزيونية وقنوات إذاعية محلية وإقليمية وفضائية مفتوحة وأرضية ومشفرة تحت وهم انها وسائل «تأثير».

علم التأثير الجماهيري أو «الكونترول» السياسي على عقل الناس لا يمكن أن ينجح الآن لأنه يعتقد خطأً ان الوسائل التقليدية هي الاداة الصحيحة.

لم يعد الرأي العام يصدق نشرة أخبار حكومية، او مؤتمر صحافي ثم ترتيب اسئلته مسبقاً او بيان رسمي صاحبه عن جهة حكومية.

للأسف، للأسف، للأسف، أصبحت المصداقية عند المصدر غير المنسوب إليه الخبر، عند الإشاعة المغرضة، عند الخبر المفبرك المدسوس اكثر من الجهة العلنية الرسمية المعروفة!

فقدت المصادر الحكومية هيبتها ومصداقيتها واحترامها وأصبح المصدر الغير رسمي حتى لو كان كاذباً تماماً اكثر مصداقية من المصدر الحكومي.

ازمة الإعلام الرسمي أنه بدلاً من أن يتحرر في الملكية والشكل والمضمون ويصبح اكثر جماهيرية اصبح اكثر سيطرة حكومية، وأكثر «خشبية» و»رسمية» في الشكل والمضمون ففقد بذلك قاعدة جماهيرية واسعة قررت أن تتوجه الى المصادر الشعبوية غير الرسمية الغير خشبية التي تدغدغ مشاعر الجماهير وتخاطب عقولهم ومشاعرهم ورغباتهم.

الشعبوية لا تعني بالضرورة المصداقية، لكنها هي اللغة التي تحتاجها الجماهير.

حتى في الولايات المتحدة الاميركية التي تعتبر مهد الإعلام الجماهيري والتقدم المذهل في وسائل الاتصال الجماهيري فاز اكثر الرؤساء الاميركيين سفسطائية وهو دونالد ترامب من خلال الاسلوب الجماهيري الشعبوي.

مأساة وسائل الإعلام الجماهيرية انها تعتقد وهماً ان إنقاذ الجماهير العريضة من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي هي بفرض مزيد من القيود والضوابط ومزيد من السيطرة والكونترول.

وحتى لا يصبح ما تقوله كلاماً مرسلاً تعالوا نرجع الى هذه الارقام القاطعة والإحصاءات الدقيقة:

١- يوجد في العالم العربي حتى عام ٢٠١٩، ١٣٩٤ قناة فضائية عربية.

٢- أعلى نسبة قنوات فيها من ناحية العدد والمشاهدة هما قنوات الرياضة المتخصصة وتبلغ ١٧٠ قناة.

٣- تأتي قنوات الدراما المتخصصة في الترتيب الثاني لنسب المشاهدة.

٤- وتأتي قنوات الأغاني في الترتيب الثالث في المشاهدة بعدد ١٢٤ قناة.

٥- اما القنوات الإخبارية والتي يبلغ عددها ٦٨ قناة فهي تأتي في الترتيب الخامس ولا تعتبر المصدر الرئيسي للحصول على الاخبار في المنطقة العربية.

٦- القنوات العربية التجارية الهادفة للربحية تبلغ ١٩٪ فقط من القنوات، ٧٪ منها فقط هي التي تدّعي انها تحقق أرباحاً.

بالمقابل، تقول الإحصاءات إنّ هناك اكثر من ٢.٥ مليار مواطن في العالم يحصلون على معلوماتهم من وسائل التواصل.

وتقول الإحصاءات إنّ ١٣٦ مليون عربي أي ٥٣٪ من المتعاملين مع النت يحصلون على معلومات من وسائل التواصل (مدونات- تويتر- فيسبوك الخ).

وأكدت وثائق ويكيليكس الخاصة بأحداث «الربيع العربي» ان وسائل التواصل الاجتماعي وليس الوسائل الإعلامية التقليدية هي التي حركت تظاهرات تونس ومصر وسوريا واليمن، وبعد ذلك -مؤخراً- في العراق والسودان والجزائر وليبيا.

باختصار، نحن نذهب الى الاداة الخطأ (الإعلام التقليدي)، ولا نعرف التعامل مع الوسيلة الاكثر تأثيراً (الإعلام داخل وسائل التواصل الاجتماعي) وننفق المليارات الضائعة، عبر شخصيات وقوى فاقدة التأثير والشعبية مقابل شخصيات منافسة مجهولة المصدر لكن شعبوية التأثير.

انها معركة خاسرة -حكماً- وحتماً لأنها القرار الخاطئ، في الاتجاه الخاطئ، في الوسيلة الخاطئة، بالوسائل الخاطئة!

المأساة ان عقول الإعلام الحكومي لم يفكر ابداً في نزول المعركة الجماهيرية على ملعب التأثير ضد من يعارضها.

منطق المنع وليس منطق المواجهة بالمثل هو المسيطر على العقل الرسمي.

تنفق الدول المليارات على اجور ومرتبات، وماكينات، ودعم ورق وأخبار وساعات إرسال وبث ارضي وفضائي من دون اي طائل دون اي تأثير لأنها ترتكب ٤ أخطاء جوهرية:

١- تستخدم الوسيلة والاداة التي انتهى عمرها الافتراضي.

٢- لأنها تقوم في المحتوى على التأثير بالسيطرة وليس التأثير بالمواجهة المفتوحة.

٣- لأنها تمارس مهنة الإعلام من منطلق أهل الثقة وليس أهل الخبرة.

٤- انها تعتقد ان الإعلام مثل المقابلات مهمة يمكن أن يعطي امتيازها لأي تعادل، انها علم، وفن، وموهبة، وقدرة جماهيرية لا تباع ولا تشترى في فن التأثير على الجماهير.

يا خسارة الوقت، ويا خسارة الأموال، والأهم يا خسارة الجماهير التي انتقلت ثقتها من إعلام الدول الى إعلام الأكاذيب الماهرة!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.