بقلم: عماد الدين أديب – نظرية «شبشب» الحمام لخدمة النظام!

3٬980

بعض الحكام منذ بدء الخليقة حتى يومنا هذا يفضلون «الخدم» على الأصدقاء! ويحبون العبيد ويكرهون الأحرار! ويفضلون صحبة المنافقين عن رفقة الصادقين!

الخادم، المنافق، العبد سهل القيادة، مريح في المعاملة، خال من أسباب التوتر، مريح، لطيف «حبوب»!

الصديق، الحر، الصادق مزعج مؤلم، صادم، متعب، صعب القيادة، يصدر المشاكل والخلافات!

ذات مرة سألت مسؤولاً عربياً أعطاني الأمان في أن أطرح عليه سؤلاً شديد الصراحة، عميق في الخصوصية فيما سألته: «سيدي الجميع يتفقون أنّ فلاناً الذي يعمل معك هو انسان سيىء، غير كفؤ، فاسد، لذلك جميعنا نتساءل لماذا ما زلت تقرّبه منك وتحتفظ به في فريق عملك؟

ابتسم المسؤول رفيع المستوى وقال متسائلاً: يا استاذ هل تعرف «شبشب» الحمام المصنوع من القطن الذي يوجد في الفنادق الكبرى؟

استغربت السؤال وقلت: نعم أعرفه انه مريح للغاية.

هتف المسؤول: بالضبط شبشب الحمام مريح للغاية، لذلك عليك أن تتخيّل أنّ فلاناً هذا الذي لا يعجبك هو بالنسبة لي مجرّد شبشب حمام!

قلت متعجباً: كيف هذا؟

قال: طري، طيّع، مريح، تستخدمه حينما تريد، قابل للغسل، يمكن التخلّص منه في أي وقت بسهولة!

نظرية العبيد هذه حذّر منها «المتنبي» حينما قال: «لا تشتر العبد إلاّ والعصى معه إنّ العبيد لأنجاس مناكيد».

في بعض الدول لا يكفي أن تكون «صديقاً مخلصاً صادقاً» للوطن وللنظام، ولكن المطلوب عندهم هو أن تكون «عميلاً» مسلوب الإرادة، وأن تكون مجرّد أداة تنفيذ لرغبات مَن في السلطة.

في هذه الدول غير مسموح لك أن تبدي رأياً مخالفاً (حتى لو كان في غرفة مغلقة او في رسالة شخصية).

في هذه الدول ليس مسموحاً أنّ الناصح الامين الوطني والنظام والحاكم من أجل الإصلاح والترشيد والتقدّم الايجابي.

في هذه الدول لا يدرك الحاكم أنّ قبول النصيحة الصحيحة في النهاية سوف يعود عليه، وسوف يدعم حكمه، ويعزز مصداقية للنظام.

من هنا يصبح تصنيف النخبة إما «عميل» مسلوب الإرادة أو «عدو» لأنه يفكر بشكل مختلف.

لاحظ أنّ جزاء «الناصحين المخلصين» للنظام كان جزاء بعضهم الحبس أو النفي أو حتى التصفية الجسدية وتشريد واضطهاد عائلاتهم ومصادرة أموالهم.

هذا ما فعله هتلر في ألمانيا، وموسوليني في إيطاليا، وماو تسي تونغ في الصين، وكيم ايل سونغ في كوريا الشمالية، وصدام حسين في العراق، وآل الأسد في سوريا وعلي صالح في اليمن وآخرين غيرهم.

من هنا أصبح متوفراً في علم السياسة العربية مصطلح جديد هو شخصية أو دور «الشبشب السياسي».

وبالرغم من أنّ الله كرّم بني آدم وميّزه عن غيره من كافة المخلوقات بنعمة العقل، إلاّ أنّ الانسان لشبشب منزوع العقل، فاقد الإرادة، المشحون بالنفاق، القابل دوماً للتزييف والكذب والإفتراء لإرضاء سيّده أصبح هو «موضة السياسة» في هذا الزمن الرديء.

من هنا يمكن فهم العقاب والاضطهاد والظلم الذي يلقاه الصديق، الحر، الصادق من بعض الحكام على مر العصور. ويمكن أيضاً فهم التكريم والتقرّب والمكافأة التي يحصل عليها: الخادم، العبد، المنافق ليس لكفاءته أو إخلاصه ولكن لكونه ببساطة ارتضى أن يكون مريحاً راحة شبشب الحمام في قدم الحاكم.

وفاتني أن أذكّركم وأذكّر نفسي ببقية مقطع شعر ابو الطيّب المتنبي:

«ما كنت أحسبني أعيش في زمن/ يسيء بي فيه عبد وهو محمود»

ملحوظة: قُتل «المتنبي» لأنه رفض أن يكون «شبشب حمام» للحاكم!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.