بقلم: عماد الدين أديب – هل تريد الإمارات زعامة العرب؟

116

هل تريد الإمارات أن تقود العالم العربي وتصبح القوة الإقليمية الأساسية في منطقة الشرق الأوسط؟

هل تريد الإمارات أن تكون القوة المرجحة في كميات وأسعار النفط؟

هل تريد أبوظبي أن توجه سياسات الرياض؟

٣ اتهامات ظالمة تضعها وترددها وتبثها وسائل الإعلام التكفيري، وأنصار إيران، وأعداء محور الاعتدال العربي ليل نهار في وسائل الإعلام المختلفة وتجنّد من أجلها كتائب التحريض الإلكتروني.

إذا كانت الإمارات لا تريد ما سبق فماذا تريد بالضبط؟ وما هي أهدافها عربياً وشرق أوسطياً؟

هذه محاولة تحليل الموقف الإماراتي وتحديد إجابات واضحة ودقيقة على سؤال: ماذا تريد الإمارات؟ وماذا تريد قيادتها؟ وماذا يريد سمو الشيخ محمد بن زايد؟

القصة تبدأ من القواعد التي أرساها القائد المؤسّس لدولة الإمارات الشيخ زايد بن سطان آل نهيان رحمه الله.

خلاصة سياسات وقرارات وأفعال وتصريحات الشيخ زايد منذ أن تولى مسؤولياته حتى غادر هذه الحياة تتلخص في ٣ مبادئ:

١- اتحاد بين ٧ إمارات تدافع عن عروبتها.

٢- إقامة دولة عصرية حديثة تحقق الرفاهية لمواطنيها وتحقق لهم أرفع مستوى ممكن من الرعاية.

٣- دولة معتدلة لا مكان فيها للتطرف بأشكاله كافة لا تعرف قبلية أو عنصرية أو انحيازات ايديولوجية، لا تبخل على المقيمين فيها ولا على محيطها العربي ولا الاخوة في الانسانية.

هذه المبادئ تمت ترجمتها بامتياز طوال حكم الشيخ زايد -رحمه الله- وأصبحت القواعد الملزمة التي اتبعها من بعده أبناؤه وأشقاؤه حتى الآن.

بعد وفاة الشيخ زايد ظهرت ٤ ظواهر جديدة عقدت شكل العالم والمنطقة هي:

١- ظهر الارهاب التكفيري وانتشر بشكل خطر.

٢- حدث ارتباك واضطراب في قواعد النظام الدولي أدّى الى حال من «الضبابية» و»الغموض».

٣- تدخل قوى إقليمية غير عربية بشكل خطر ومخيف في شؤون المنطقة العربية أهمها: إيران، تركيا، إسرائيل عبر أدوات ووكلاء يهددون الامن القومي العربي من اليمن الى العراق، ومن سوريا الى لبنان، ومن السودان الى الصومال والقرن الافريقي.

هذه العوامل أوجدت عوامل إضافية وتحديات ضاغطة على أمن العالم العربي، وأصبحت تفرض على صانع القرار في أبوظبي التزاماً وطنياً وقومياً بالتعامل الصحيح معها.

لم يكن ممكناً أن يقف الشيخ محمد بن زايد وإخوانه موقف المشاهد السلبي لهذه التحديات الخطرة، بل كان يؤمن أنّ واجبه الوطني كإماراتي، وكعربي، وكمعتدل ان يواجه هذه الملفات بالتنسيق مع القوى المعتدلة الفاعلة.

المسألة ليست مسألة «هوى شخصي» أو رغبات في إدارة المنطقة، أو البحث عن زعامة، لكنها كانت وما زالت «واجباً وطنياً والتزاماً قومياً» يهدف لحماية أمن البلاد والعباد.

مثلاً لم يكن ممكناً أن تحتضن الإمارات على أراضيها جماعات الارهاب التكفيري مثلما فعلت غيرها.

مثلاً لم يكن ممكناً للإمارات أن تترك الاخوان المسلمين يعبثون بمقدرات الحكم والأمن في مصر والسودان وليبيا وتونس والعراق وغزة.

مثلاً ما كان ممكناً للإمارات أن تتخذ موقفاً محايداً من أمن الخليج مثلما فعلت سلطنة عُمان وقت حكم السلطان قابوس رحمه الله.

لذلك كله، كان لا بد من القيام بالمبادرة المبكرة، وتوجيه الضربات الاستباقية للخطر البعيد قبل أن يصل الى البيت الإماراتي.

تدرك أبوظبي وجود حكم فارسي في إيران وحكم إخواني في السودان، وحكم حوثي في اليمن، وحكم ميليشيات في سوريا، وحكم طالباني في أفغانستان سوف تنتهي في نهاية مسارها وقوة جماعتها الى تهديد مصادر الطاقة والثروة في الخليج خصوصاً إذا كان من يدير هذه الثروة نظام واقعي براغماتي معتدل غير متطرف غير مؤدلج مثل الإمارات.

إذن، موقف أبوظبي الايجابي في المنطقة هو «موقف الضرورة» وهو نابع من مسؤولية.

من هنا فعلت أبوظبي كل شيء وبذلت كل رخيص وغالٍ وعبأت كل علاقاتها للحفاظ على نظام ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣ في مصر.

من هنا رحبت أبوظبي بسياسة الاصلاح والتحديث التي بدأها الملك سلمان وولي عهده الامير محمد لأن في ذلك دعماً لسياسات  الاعتدال والعقلانية في مجلس التعاون الخليجي وفي المنطقة.

من هنا كان التنسيق الكامل بين أبوظبي والرياض في «أوبك» و»أوبك بلس» مدة ٤٠ عاماً في تحديد الكميات والإنتاج.

من هنا كان دعم أبوظبي لقوى التغيير والاعتدال في  تونس والسودان واليمن والعراق.

من هنا أيضاً كان الهدف الأكبر لإقامة علاقات مع إسرائيل هو إيجاد صيغة تفاهم وحركة مصالح يمكن استثمارها في تحقيق مشروع الدولتين بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

تدرك الإمارات جيداً وبعمق عناصر قوتها المادية والمعنوية لكنها لا تعيش أبداً في تطلعات زعامة مفروضة أو ضلالات تجاهل عناصر القوة والنفوذ، وقواعد التاريخ والجغرافيا في المنطقة.

تدرك أبو ظبي أن السعودية الشقيقة الكبرى في مجلس التعاون الخليجي من ناحية التعداد والثروة والمساحة وحجم إنتاج النفط والمكانة الروحية التي لا يمكن لأي دولة أن تنازعها بها.

تدرك أبو ظبي أن مصر هي الدولة المركزية في المنطقة التي تحدد بتعدادها وثقلها التاريخي وقواتها المسلحة المسار الاستراتيجي للحرب والسلام.

تدرك أبوظبي – بالتالي – أن مواجهة خطر شركات إيران وتركيا وإسرائيل في المنطقة تحتاج الى تدعيم العلاقة والتنسيق الكامل مع الأشقاء في مصر والسعودية.

التنسيق والتعاون والتشاور والتحالف لا يعني ابداً الرغبة في إدارة مصائر الغير أو الرغبة في اختطاف أدوارهم ومكانتهم.

من هنا يرى الشيخ محمد بن زايد أن التفاهم والتشاور بينه وبين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي  والأمير محمد بن سلمان  هو حجر زاوية أساسي يجب المحافظة عليه دوماً وعدم تعريضه لأي مخاطر من أي نوع.

من هنا، يؤمن الشيخ محمد بن زايد أنه حتى لو اختلفت المصالح أو الآراء في سلطات اقليمية أو ثنائية  هي من طبائع الأمور، وأن مكانها الوحيد والأوحد هو الحوار والتفاهم يشكل بحق هدف «ادارة وتنظيم الإختلاف»، وليس تصعيده أو السماح بتدهوره.

تلك هي خبرة الإمارات وتاريخها في التعامل وهذا هو رصيد خبرة الشيخ محمد بن زايد.

تعلم محمد بن زايد من والده أصول الحكمة القائمة على فطرة الصحراء.

وتعلم من عشق والده للزراعة في منطقة «العين» الصبر الاستراتيجي على تحضير تربة الأرض وحرثها واختيار البذور وتوفير المياه وانتظار نمو النبتة حتى تتطور وتنمو وتصبح نخلة يافعة تعطي بلحاً يصبح تمراً.

وتعلم من دراسته العسكرية الانضباط والضبط والربط واحترام الأوامر العسكرية وتقدير الرتبة الأعلى والعمل بروح الفريق الواحد.

وتعلم من حياته كطيار مقاتل أن قتال الجو يستدعي اليقظة الكاملة، وشجاعة القلب، وصفاء العقل واتخاذ القرار اللحظي السليم لأنه لا مجال للخطأ لأن الخطأ يعني الخسارة النهائية.

هذا هو ولي عهد أبوظبي وتلك هي الإمارات وهذه هي حقيقة رهاناتها الإقليمية.

الإمارات تسعى الى موقف يدعم قوى الاعتدال العربي في مواجهة قوى شريرة تراهن ليل نهار على تصدّع محور القاهرة – أبوظبي – الرياض.

تلك هي أهداف الإمارات ولا شيء غيرها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.