بقلم: عماد الدين اديب – «أردوغان»: رجل أوروبا المريض!

54

هل تعرفون ما هو أكبر خطر يمكن أن يصيب أي حاكم منذ بدء الخليقة حتى قيام الساعة؟

علمياً هو «الخلل في الإدراك المعرفي»، وفقهياً هو «الكبر»، الذي يجعل الحاكم يعيش ويفكر ويحكم برغباته وقواعده بالمخالفة للعقل والمنطق والدين.

كارثة أي عقل سياسي هي أن تعتقد أنك تمتلك الامتياز الحصري للحقيقة.

الكارثة الكبرى أن تعتقد أنك وحدك دون سواك الذي يمتلك ناصية الصواب، وبالتالي تطوع وتلوي أعناق الوقائع والحقائق مهما كانت صريحة وواضحة ومنطقية، من أجل أن تصنع قانونك أنت وعالمك الافتراضي الذي تحلم به وتريده، وليذهب كل شيء وأي شيء وأي مصالح أخرى إلى الجحيم.

هذا بالضبط ما يعاني منه العقل السياسي لفخامة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان!

يعيش «أردوغان»، بعدما أسكرته كؤوس النجاح الاقتصادي الذي يعود إلى «تورجوت أوزال»، و»نجم الدين أربكان»، و»أحمد داوود أوغلو»، و»عبدالله غول»، وفريق كبير من كبار المستشارين الأتراك والأجانب، هذه الحالة التي تسمى علمياً بخلل في الإدراك المعرفي.

علمياً، تعالوا نتعرف على معنى الإدراك العقلي:

«إن الإدراك العقلي هو إدراك المفاهيم والمسلمات والحقائق والمعاني الكلية العامة لمفاهيم الحياة والمنطق، وهو أمر عقلي مسؤول عن المحسوسات المادية، وهو أمر يقوم على استنباط المعاني الكلية المجردة».

والخلل في هذا الإدراك يأتي من:

1 – نوعية الذاكرة.

2 – اتجاهات الفرد.

3 – الأمراض العضوية والتأثيرات النفسية.

في حالة «أردوغان»، فإن الطفل الذي ولد في 21 فبراير 1954 في مدينة إسطنبول عاش حياة بسيطة مع والده أحمد في «قاسم باشا»، الذي كان بالكاد يوفر لزوجته «تنزيل»، والأبناء والبنات: سمية وبلال وأحمد براق ورجب، الاحتياجات الأساسية.

تربى الصبي رجب في صعوبة من الحياة، ما اضطره إلى أن يعمل في صباه بائعاً على عربة يد «للبطيخ»، حتى يوفر لقمة عيشه.

تأثر في جامعة «مرمرة» بدراسة الاقتصاد، وفكر أصول جماعة الإخوان، التي تأسست عليها الأحزاب الثلاثة التي انضم إليها:

1 – حزب الرفاه من 83 إلى 1998.

2 – حزب الفضيلة من 98 إلى 1998.

3 – وأخيراً حزب العدالة والتنمية من 2001، حتى يومنا هذا.

ولا بد من الاعتراف بأن شخصية السياسي، الاقتصادي، الشاعر، ودعم الرفاق المؤسسين له، أدت إلى إحراز نجاح حقيقي لحزبه والاقتصاد التركي.

هذا النجاح الملحوظ، الذي ظهر في معدلات التنمية، وشعبية حزبه، وتنامي الدورين الإقليمي والدولي، جعله يبدأ في رحلة الشعور بتأثير خمر النجاح منذ عام 2007.

هذا كله جعل الرجل تزداد عنده حالة أنا وحدي صاحب الصواب، والملهم من السماء بالحق، والقادر على إعادة بناء إمجاد آل عثمان من خلال مشروعه الذي أعلن عنه، وهو «تركيا الكبرى».

«تركيا الكبرى» تعني باختصار 4 عناصر خارج العقل والواقع في شريعة القانون الدولي:

1 – أن خلافة آل عثمان التي امتدت من 1566 انتهت فعلياً في حروبها الأوروبية في ما عُرف بالحروب التركية العظمى، ثم ظهرت حالة المسألة الشرقية، التي أدت إلى تنازلها عن نفوذها وأراضيها التي اقتسمها «العدو» الأوروبي بعدما أصبحت تركيا هي رجل أوروبا المريض.

2 – أن مناطق النفوذ يجب أن تعود، لأن «العرب» الذين كانوا يتبعون للخلافة «أضاعوا حقوقهم ويمثلون حالة من الضعف والاستضعاف» -حسب رأيه- وأن الحل التاريخي لهم هو إنهاء الحالة العربية وإدخالهم في الحالة الإسلامية.

3 – أن الخليفة العثماني الذي كان في سابق العهد المسؤول عن رعاية مكة والمدينة، وكان «خادماً للحرمين» يجب أن يستعيد هذه الخلافة مرة أخرى، ليس عبر نظام حكم آل سعود والملكية، ولكن عبر الخلافة العثمانية الجديدة، وفكر التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين بنسخته التركية!

4 – أن الحدود المستقرة التي تم ترسيمها عقب الحربين العالميتين الأولى والثانية هي فعل من أفعال الاحتلال والاعتداء على حقوق ومناطق نفوذ «تركيا المريضة»، وأنه قد حان الوقت لاستعادة النفوذ، وتغيير الخارطة والحدود والأنظمة بالقوة لإنقاذ المنطقة من نفسها وإدخالها في «عظمة وقوة» تركيا الكبرى!

باختصار، هذا مشروع «أردوغان» القائم على خلل عظيم في الإدراك المعرفي لواقع الحال وقواعد عالم اليوم ومتغيراته.

إنه العالم الافتراضي الذي يسكن عقل وروح ونفسية رجب طيب أردوغان.

من هنا يمكن تفسير حالة التشدّد والتطرّف والعناد وكثرة الاشتباكات السياسية مع الأميركان والروس والأوروبيين وحلف الأطلنطي والألمان والهولنديين والكنديين واليونانيين والقبارصة والمصريين والإماراتيين والسعوديين وقائمة لا تنتهي من الدول والمنظمات الدولية.

كل هؤلاء -من وجهة نظر الرجل- على ضلال وخطأ جسيم، وهو وحده دون سواه الذي على صواب.

من هنا يمكن أن نفهم رغبة الرجل المستميتة في إعادة نفوذ العثمانيين على كركوك والموصل وشمال سوريا وتونس ومصر والحجاز، كخطوة أولى لبناء إمبراطورية يتحدى بها دول الاتحاد الأوروبي، التي ترفض إعطاءه عضوية فيه.

نحن، أي العالم العربي، أرض خلافة مستحقة، سلبت من تركيا «الرجل المريض»، والآن قد حان -وقد استعاد «أردوغان» قوتها- أن تعود إلى تركيا «الرجل القوي» من خلال مشروعه المعروف بتركيا الكبرى.

ذلك كله يفسر الحماقة التركية الكبرى في اتفاقيتي الغاز والأمن مع حكومة «السراج».

اليوم يعود مفهوم رجل أوروبا المريض ليتحقق على يد «أردوغان»، يعود ذلك المصطلح الذي أطلقه نيكولاي الأول قيصر روسيا على تركيا سنة 1853.

وهذا يمكن أن يؤشر لنا أن تركيا الآن في عهد «أردوغان» ليست الرجل القوي، ولا هي الرجل المريض، ولكن الأكثر مرضاً!

طالما أن «أردوغان» وحزبه في السلطة لن ترى المنطقة العربية سلاماً ولا خيراً مع أنقرة، ولا يمكن أن نثق في أي اتفاقات يمكن أن يوقع عليها أو يشارك فيها، سواء كانت في موسكو أو برلين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.