بقلم عماد الدين اديب – احتمالات قطر: «الخسارة أو الخسارة»!

75

صانع القرار في قطر يعيش -اليوم- أزمة وجودية ضاغطة بعد انضمام الإمارات والبحرين إلى اتفاق سلام مع إسرائيل بضمانة أميركية.

القصة بسيطة وعميقة، والخيار صعب وسهل، والتأثير ورد فعلها على قطر سلبي في جميع النتائج! أخطر ما في القصة أن هذه الاتفاقات تشكل تحدياً شديداً للمكانة الخاصة للمحور القطري التركي في واشنطن.

أمام قطر -اليوم- 3 خيارات صريحة إزاء قطار السلام الخليجي والعربي مع إسرائيل:

الخيار الأول: أن تعلن الآن، أو قريباً، الانضمام وتحويل ما كان يتم سراً في الخفاء بين تل أبيب والدوحة إلى «زواج علني رسمي شرعي».

الخيار الثاني: أن تقوم بالاستمرار في شيطنة الاتفاق، كما هو حادث الآن، عبر قناة «الجزيرة»، وعبر قنوات تركيا، وعبر وسائلها وأدواتها المشتراة والمتاحة حول العالم وتشجع «حماس» وكل «فصائل الممانعة» في إدانة الاتفاق وتجريمه.

الخيار الثالث: أن تمسك العصا من المنتصف ولا تحسم الإدانة أو التأييد وتؤجل الخيار النهائي لحين معرفة اسم الرئيس الأميركي المقبل بعد 50 يوماً.

إذن الخيارات ثلاثة: التأييد الفوري، استمرار الشجب، تأجيل القرار.

تعالوا نناقش تداعيات كل قرار.

إذا كان خيار صانع القرار في الدوحة هو دعم الانضمام الإماراتي والبحريني إلى عملية السلام مع إسرائيل بضمانة أميركية، فإن ذلك لن يعطي أي مبرر سياسي أو منطقي أو أخلاقي للسياسة القطرية وأدواتها الإعلامية في «إدانة وتجريم وتشويه أبوظبي والمنامة»، لأن الدوحة في هذه الحالة ستكون «قد اقترفت ذات الجريمة».

أما إذا اختارت قطر، بناء على نصائح مستشاريها من «الإخوان وأنصار التيار القومي القدماء»، رفض الانضمام إلى التوقيع مع إسرائيل، فإن ذلك سيضع قطر في 4 مخاطر كبرى:

1- سيُعتبر ذلك مخالفة صريحة لا تُغتفر للاتفاق التاريخي بين الأمير الأب «الشيخ حمد» حينما اتصل مندوبه الخاص بالإدارة الأميركية طالباً أن تدعم واشنطن عملية انقلابه على الأمير الجد «الشيخ خليفة رحمه الله»، مقابل أن يلتزم بعدة تعهدات أهمها التعاون والاعتراف بالدولة العبرية.

2- سيكون ذلك مخالفاً لسياق التطورات التاريخية في العلاقات بين الدوحة وتل أبيب مثل إقامة المكتب التجاري الإسرائيلي في الدوحة والتعاون الأمني على أعلى مستوى، والتعاون في مجالات الاتصالات ومراكز الأبحاث، والتسويق السياسي، والإعلام.

وسيكون مضاداً لما تم إنجازه -فعلياً- من إجراءات في التطبيع مثل زيارات زعماء إسرائيل للدوحة، وزيارات كبار المسؤولين القطريين لإسرائيل للسياحة والعلاج والاستثمار.

3- سيُضعف ذلك من مكانة قطر لدى الولايات المتحدة، وسيعطي الدول التي أقامت علاقات مثل الإمارات والبحرين مكانة أعلى وأفضل من قطر لدى البيت الأبيض والكونغرس.

4- لن تصبح قطر بعد ذلك العاصمة المفضلة خليجياً لدى لوبي المال اليهودي وكارتل المؤسسات المالية العالمية، بل سيجعلها في تصنيف سياسي سلبي.

نأتى للاحتمال الثالث وهو الأكثر انتهازية والذي يقوم على نظرية دعونا ننتظر حتى نتيقن تماماً من هو رئيس الولايات المتحدة المقبل، هل هو ترامب أم بايدن؟ ديموقراطي أم جمهوري؟

التأجيل في هذه الحالة لن يفيد، لأن الملف يتصل بالعلاقة الإسرائيلية – الأميركية.

في واشنطن يعلمون تماماً أن كل ما هو ثابت قابل للتغيير إلا التزام الرئيس الأميركي، أي رئيس، بالدعم الكامل غير المشروط لإسرائيل.

وبالدليل القاطع، فإن الحزب الديموقراطي الذي يحتضن -تقليدياً وتاريخياً- الصوت اليهودي الأميركي، قد رحب قادته، وأولهم المرشح الرئاسي بايدن، بالاتفاق الإسرائيلي مع الإمارات والبحرين، وتعهدوا بدعمه المطلق.

ولا ينسى التاريخ لقطر الإجراءات التالية في علاقتها بإسرائيل:

1- فتح قنوات الاتصال منذ العام 1996.

2- إقامة مكتب تجاري بين البلدين.

3- التنسيق الأمني بين أجهزة أمن الدولتين.

4- التنسيق على استضافة مكتب حماس والسيد خالد مشعل وإقامته في الدوحة بعيداً عن مركزه السابق في دمشق للابتعاد عن التأثير السوري.

5- القبول الكامل الإسرائيلي بالعلاقة القطرية مع حماس، والسماح بترتيب رسمي ومنتظم لدخول الأموال والمساعدات القطرية شهرياً ودورياً عبر تل أبيب إلى غزة.

6- التعاون الكامل مع السفير القطري في غزة لحسم كثير من الأمور الأمنية والتوترات العسكرية.

لذلك كله تتساءل دوائر واشنطن: وما الذي يجعل الدوحة لا تخرج علناً بإعلان الاعتراف الكامل رسمياً؟

وفي حالة فوز ترامب، فإن الرجل لن يغفر -في هذه الحالة- «التردد الانتهازي للدوحة في دعم الاتفاق»، وإذا فاز منافسه بايدن فإن الانضمام القطري للاتفاقات قد يكون متأخراً، وسوف يطرح السؤال: ما الفارق بين الاعتراف بإسرائيل في عهد ترامب أو عهد بايدن في مسافة زمنية يفصل بينهما ما لا يزيد عن 50 يوماً؟

يقول علماء علم الاحتمالات الذي يقوم على دراسة الخيارات المتاحة والمفاضلة بينها إن أسوأ حالة في علم الاحتمالات هي التي يصبح فيها الإنسان خاسراً لا محالة في كل الحالات! وتلك هي حالة قطر الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.