بقلم عماد الدين اديب – الرابحون في الخسارة والخاسرون في الربح!

48

العرب منذ سقوط دولة الأندلس عام 1492م، بعد أربعة قرون من الحكم الإسلامي العصري، متخصصون في تحقيق الخسائر، إلا في حالات نادرة تاريخية أشبه بالمعجزات!

طعم الربح أو الفوز أو الانتصار بعيد عنا لعقود طويلة من الزمان.

من هنا يتعين طرح السؤال العظيم: لماذا نربح في الخسارة، ونخسر في الربح؟!

تعريف الربح في اللغة العربية هو حينما يقال «ربحت التجارة»، فإن ذلك يعني نمت وكسبت.

والتعريف التجاري للربح هو: المكسب، أي تبيع الشيء بأكثر مما أنفقت عليه.

حال العرب أنهم -في معظم الأحيان- يدفعون في الشيء أكثر من قيمته، وأحياناً يخسرونه كله.

خسرنا فلسطين عام 1948، وخسرنا القدس الشريف في يونيو 1967 وأراضي 3 دول عربية، وخسرنا السيادة على العراق واليمن والصومال وفلسطين وسوريا ولبنان وليبيا.

والآن في ظل عالم يسيطر عليه الكبار نعيش حالة احتلال من نوع غير مباشر في فرض أسعار سلع أو بضائع أو رسوم جمركية أو مبيعات سلاح أو غذاء أو دواء أو أمصال ولقاح.

الرابح بمفهوم قوانين القوة الحالية هو القادر على فرض شروط وقواعد المعاملات الدولية والعلاقات الثنائية مع القوى المؤثرة.

الرابح هو القادر على التأثير على قرارات الحرب والسلام، وإحداث حالة من الردع دون قتال.

الرابح هو من يحسب حسابه في توازنات وتحالفات اليوم.

الرابح هو مَن يهابه الكبار، ولا يقدر أي مغامر أو أحمق أن يتجرأ عليه، ولا يقدر -ولو للحظة واحدة- أن يستهين به.

الرابح هو الذي يدرك كيف يمكن أن يكون قوياً، مؤثراً، مهاباً، ذا مكانة، إذا قال فعل، وإذا هدد خشيه الناس، وإذا تكلم أنصت إليه العالم باحترام، وإذا وعد فإن صدقيته لا يرقى إليها الشك.

القوة تبدأ في عصر اليوم من المعرفة، والمعرفة تأتي من الثقافة الوطنية، والثقافة الوطنية من التعليم الرشيد، والتعليم يأتي من الوعي، والوعي يأتي من الاستنارة، والاستنارة تأتي من المعلومات الحديثة، والمعلومات تأتي من التواصل مع العالم، والتواصل العالمي يأتي من ثورة الاتصالات، وتلك الثورة مصدرها ثورة التكنولوجيا، والتكنولوجيا مصدرها البحث العلمي، والبحث يعيدنا إلى التعليم المستنير البعيد عن الجهالة والظلام والعقل المُغلق!

إن صناعة القوة مثل صناعة كعكة حلوى، تحتاج إلى تحضير المقادير، ومعرفة طريقة الطهو، وإحضار «الشيف الكفء».

كان المفكر والشاعر المبدع الدكتور غازى القصيبي، رحمه الله، يردد عبارة بليغة تقول: «إن أي نجاح لا يتحقق إلا بفشل الآخرين هو في حقيقته هزيمة ترتدي ثياب النصر».

مغزى كلام الشاعر والمفكر الراحل أن الفوز يجب أن يعتمد على عناصر تفوقك،، وليس على عناصر فشل خصمك.

أصحاب الإرادة الحديدية لا يعرفون طعم الهزيمة، ولديهم قدرة أسطورية على تضميد الجراح، وتفادي أسباب الفشل، وبناء عناصر النجاح والفوز.

كان «تولستوي» يعطي الجانب المعنوى مركز الصدارة العليا في تحقيق النجاح والفوز والانتصار، لذلك كان يقول: «خسرنا لأننا أخبرنا أنفسنا أننا خسرنا».

أخطر ما ابتلينا به في هذه المنطقة هي وفاة الأحلام وانعدام الثقة في القدرة على تغيير الواقع!

ابتلينا في هذه المنطقة من العالم بأكبر معدلات في النازحين واللاجئين والقتلى ومصابي الحروب وضحايا الألغام.

ابتلينا في هذه المنطقة بأكبر معدل من الراغبين في الهجرة غير المشروعة حتى لو كانت على قوارب الموت للجوء إلى شواطئ دول وشعوب ترفضنا وتكرهنا.

ابتلينا بأكبر عدد من المعتقلات والمعتقلين دون سند من القانون، ولدينا شهادات سوداء في سجلات هيئات حقوق الإنسان.

ابتلينا بأكبر عدد من الحروب الأهلية والاعتداءات الحدودية في ما بيننا. ابتلينا في هذه المنطقة بأدنى مؤشرات الأداء في معدلات التنمية البشرية.

ابتلينا في هذه المنطقة بضياع قيم العروبة، وأصبحنا نقدم وننصر الفارسي والعثماني والصهيوني على شقيقنا العربي!

ابتلينا في هذه المنطقة بأن أصبح لدينا العديد من أنظمتنا التي تؤمن بأن الفساد هو أسلوب حياة، وأن المال العام وجد من أجل أن يتم الاستيلاء عليه.

ابتلينا في هذه المنطقة بكثير من النخب المخادعة، الكاذبة، المنافقة، المتلونة التي تطرح ضميرها وأخلاقها للبيع.

ابتلينا في هذه المنطقة بإعلام التحريض الذي يلوّن الخبر، ويخلط بين الهوى الشخصي والحقائق المجرّدة، ويؤمن بسياسة المصدر الواحد الوحيد، والذي يعتمد أساليب التزوير والكذب، ويستخدم مفردات السب والقذف والشتائم وانتهاك الأعراض.

حينما نبتلي بذلك كله يصعب علينا أن نذوق حلاوة الفوز والربح والانتصار، ونظل أسرى منطقة الخسائر والهزائم.

الآن لم يعد ممكناً الاستمرار في هذه «الغيبوبة اللانهائية»؛ لأن التحديات الحالية من كل اتجاه، والتهديدات الوجودية التي تكاد تعصف بنا لا تحتمل إلا احتمالاً واحداً وحيداً لا بديل عنه؛ وهو «أن نربح ونفوز وننتصر».

اللهم آمين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.