بقلم عماد الدين اديب – «اللهم ارفع عنا البلاء»

59

كل أمة منذ بدء الخليقة تخضع لاختبارات إلهية لمدى تقواها، ومخافتها لله، وعبادتها للواحد القهار حق عبادته.

والمتأمل لأمتنا العربية، سوف يكتشف قائمة طويلة من الابتلاءات والتحديات من داخلها وخارجها ومصادر تهديد ذاتية، وأخرى من أعدائها.

ونظرة واحدة كافية لمعرفة أن العراق يعاني من فساد متراكم منذ الغزو الأميركي ويعاني من استمرار احتلال أميركي وسيطرة إيرانية وميليشيات طائفية دموية.

والمتأمل لسوريا سوف يرى صورة قاتمة من نظام حكم يتداعي وسيطرة عسكرية روسية، ووجود عسكري إيراني، واحتلال تركي وميليشيات تكفيرية من 82 دولة، و12 مليون نازح ولاجئ وقتيل ومصاب، وفاتورة خسائر تتعدى الـ300 مليار دولار، ونقص في الموارد، والطاقة، وتدهور في العملة الوطنية.

ولبنان السياحي يعاني من انقطاع الكهرباء ونقص محطات البنزين، وفساد الأطعمة، وارتفاع الأسعار وانهيار العملة الوطنية، وتجميد ودائع المواطنين، وخطر حرب إقليمية على الحدود، وصراع حاد بين الحكومة المتداعية والمعارضة من ناحية والشارع الثائر الغاضب.

وها هي مصر تقف شجاعة أمام مؤامرتين خبيثتين، الأولى لسرقة المياه، والثانية لتهديد أمنها القومي وثرواتها من الغاز بهدف استدراجها لاستنزاف مواردها، وهي على أعتاب عملية إصلاح طموح لشعبها الصبور.

وتقف السعودية أمام تحدي مؤامرة اليمن من قبل العملاء الحوثيين، وانخفاض الطلب على أسعار النفط، والسعي القطري – التركي للإساءة لمكانتها الدولية بكل الوسائل لتشويه مشروع الإصلاح الذي قدمه ولي العهد السعودي.

وما زالت كل من قطر وتركيا وإيران تضع دولة الإمارات العربية، ومشروعها التنموي التحديثي في مرمى إطلاق النار.

وتسعى هذه الدول الثلاث لأسباب مختلفة لمواجهة مشروع الشيخ محمد بن زايد الشامل، ومشروع الشيخ محمد راشد التنموي لإقامة دولة عصرية.

وفي تونس يسعى حرب النهضة الإخواني إلى اختطاف التجربة الديمقراطية لصالحه، وإدخال تونس في المشروع الإخواني التركي – القطري.

وسوف تكشف الأيام المقبلة تورط حركة النهضة في مصادر تمويل مشبوهة وارتباطات عسكرية معادية للأمن القومي لتونس.

وفي الجزائر، ما زالت البلاد تحاول جاهدة إحداث إصلاحات جذرية بعد عامين من الهزات الداخلية والتحولات الكبرى.

وفي الصومال دولة ميليشيات خارجة عن السيطرة أصبحت مرتعاً للمال والنفوذ السياسي الخارجي، ويدفع الأردن فاتورة غالية لوضعه الجغرافي الدقيق بين نار العراق الملتهبة والحرب الأهلية السورية، ومشروع صفقة القرن الفاشل الشرير.

ويعاني الأردن كونه دولة محدودة الموارد الطبيعية في زمن يتحمل فيه فاتورة لاجئين ونازحين بالملايين من فلسطين والعراق وأخيراً سوريا.

وما زالت الكويت تعاني من عدم انضباط تجربتها السياسية التي تجعل من البرلمان أداة صدام دائمة مع السلطة التنفيذية ما يهدد الاستقرار السياسي بشكل دائم.

وتواجه البحرين بشجاعة المحاولات الخارجية الشريرة لتحرك بعض العناصر الطائفية للتأثير السلبي على سلامة البلاد والعباد.

أما عمان فهي تعيش وسط عاصفة من المخاطر الإقليمية من اليمن إلى إيران، ومن العراق إلى السعودية، في منطقة استراتيجية حاكمة، وفي ظل قيادة جديدة تسعي لتطوير البلاد.

أما المؤلم فهو وضعية الشعب القطري، الذي يعيش في ظل معادلة حكم قررت أن تستنزف موارد صندوقها السيادي الضخمة في تمويل مشروعات خارجية تدعم الإرهاب التكفيري، وتسعى لتحطيم مشروعات الدول الوطنية في المنطقة، وتتحالف مع قوى إقليمية معادية للمشروع العربي.

هذه «تحديات سياسية» عظمى، وهي ابتلاءات كبرى وضعها أمامنا رب العالمين، ليختبر قدرتنا على جهاد النفس، والحكم بالعدل، والإحسان، والتركيز على قيم التسامح والإنصاف والمواطنة المتساوية، واحترام قيمة العمل الدؤوب لبناء الأوطان لإنقاذ الفقراء من فقرهم، والجهلاء من جهلهم، والمرضي من سقمهم، ومساعدة الأرامل، والأيتام، وذوي الحاجات من أجل تحسين أحوالهم، وإنقاذهم من أوضاعهم غير الإنسانية، ذلك كله يحدث في زمن ختم الله على عقول وأسماع وأبصار البعض بضعف الإيمان.

عدونا، قبل أن يكون على حدودنا، أو على سواحلنا، هو بداخلنا، يسيطر على عقولنا حاضرنا ومستقبلنا، يسعي لنشر الشر والفساد وثقافة الموت، ويسعي للفرقة وإثارة العصبيات القبلية، والنزعات الطائفية، والتحريض على كراهية الآخر.

وبينما نحن نعيش هذه الأيام المباركة التي يتنزل فيها الخالق جل جلاله يوم عرفة المشهود كي يستجيب لصادق الدعاء، ويكفر عن الذنوب، ويغفر الخطايا، ندعوه سبحانه أن يصلح من نفوسنا حتى نواجه أعداءنا.

وتذكروا قوله تعالى: «وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ» (سورة يونس).

وآخر دعوانا اللهم ارفع عنا كل أشكال البلاء واهدنا إلى الصواب وارزقنا اتباعه، إن الله يسمع ويرى، «إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ».

وكل عام وأنتم بخير، عيد سعيد عليكم.

ونعود للكتابة بعد الإجازة، بإذن الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.