بقلم عماد الدين اديب – المعضلة اللبنانيّة: حدث تغيير لكن لم يُحدث «التغيير»!

45

التحليل المحايد لأرقام نتائج انتخابات البرلمان اللبناني يقول: «حدث تغيير نوعي»، لكن لم «يحدث التغيير» في قواعد قوى الحكم.

سواء كنّا مع أو ضدّ أيّ طرف في هذه المعركة، فإنّ هناك أربع حقائق أسطع من الشمس لا يمكن تجاهلها:

1- إنّ تحالف الثنائي الشيعي والتيار الوطني يمثّل الكتلة المرجّحة في تمرير أيّ قانون في البرلمان الجديد.

2-  الأستاذ نبيه برّي، أكبر الأعضاء سنّاً وزعيم حركة «أمل»، هو رئيس البرلمان.

3- حكومة ما بعد البرلمان الجديد ستكون برئاسة دولة الرئيس نجيب ميقاتي.

4- هذا البرلمان هو الذي سيشارك في اختيار رئيس الجمهورية المقبل.

هذه حقائق تؤكّد أن لا تغيير استراتيجيّاً في قواعد المعادلة التي تحسم اللعبة السياسية.

 

من ناحية أخرى، إذا لم يكن هناك عنصر «التغيير الاستراتيجي»، فإنّه لا يمكن إطلاقاً التغافل عن «تغيير نسبي» فاجأ البعض وهزّ أركان القوى والمعادلات التقليدية يمكن رصده بشكل إحصائي وبتحليل سياسي موضوعي.

إذاً نحن أمام معادلة تقول:

1- نظام قديم يُعاد تدويره في البرلمان الجديد حيث الأغلبيّة العدديّة محسومة تقريباً.

2- قوى تغييرية جديدة تطلّ بوجهها في البرلمان.

3- في حال ائتلاف قوى التغيير مع القوى المستقلّة والكتائب، واحتمال كبير مع القوات، فإنّ ذلك سيشكّل جبهة معارضة قوية جدّاً يمكن أن تُرهق ائتلاف الثنائي الشيعي-التيار الوطني.

4- الأستاذ نبيه برّي (اللاعب القديم العجوز المخضرم الذي يرى ما لا يراه غيره، ويتحسّب في حساباته للآتي الأعظم) شنّ يوم الثلاثاء في كلمته التي أطلقها من قناة «nbn» ضربة استباقية تعكس قراءة ذكية وعميقة لنتائج الانتخابات.

دعا برّي إلى أن تحوي أجندة البرلمان الجديد كلّ المطالب الشعبوية، واستخدم مقرّرات قوى التغيير ومطالب ثوّار تشرين!

«اللعّيب المخضرم» قام بالمبادرة قبل انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان المخصّصة لاختيار الرئيس والنائب وهيئة المكتب.

يُتوقّع أن نرى في هذا البرلمان حراكاً غير مسبوق، وأصواتاً عالية، وصراعات قد تؤدّي إلى ملاسنات، اشتباك بالأيدي داخل البرلمان أو استخدام العصيّ أو كاتم الصوت في خارجه.

كلّ ذلك مؤهّل ومرشّح للحدوث بقوّة، لكن تبقى مفاصل الدولة متأثّرة بحقائق راسخة:

1- دستور 1943 ما زال بمعادلاته يؤثّر في اللعبة.

2- «الطائف»، بنصّه وروحه، غير مطبَّق.

3- المحاصصة الطائفية هي التي تحكم كلّ قواعد الحياة السياسية والتمييز الطبقي في البلاد.

4- هناك مناطق تسييس في القضاء ظهرت في تحقيقات المرفأ وملف حاكم مصرف لبنان.

5- هناك 70 مليار دولار يُخشى أن تكون قد طارت في رحلة اللاعودة النهائية.

6- لا توجد قوى واحدة وحيدة، سواء من الشيعة أو السُنّة أو المسيحيين بكافّة أطيافهم، قادرة على أن تحسم أيّ قرار رئيسي في مستقبل البلاد من دون أن تضطرّ إلى «تركيب» ائتلاف مع قوى متعدّدة.

7- إنّ حزب الله الذي يستشعر بتغيير المعادلات الداخلية في البلاد والتأثير السياسي على شعبويّته قام بإطلاق «تهديد رادع» من قبل النائب المنتخَب محمد رعد في بيان يحدّد فيه بلغة تهديدية صريحة أنّه وحده دون سواه الذي يقبل أو لا يقبل مشاركة أيّ قوى في الحياة السياسية.

هنا لا يمكن التغافل عن أنّ حزب الله يتعامل سياسياً في معاركه وهو يدرك أنّ لديه قرابة 120 ألف صاروخ و100 ألف مقاتل وخطّ تمويل لا ينقطع من طهران ومؤسّسات مالية تعمل في الداخل والخارج.

وهنا أيضاً يدرك حزب الله أنّه فائز لا محالة، سواء تمّ إبرام اتفاق بين إيران ودول الـ5+1 في فيينا أم لم يتمّ.

يظنّ حزب الله أنّ إبرام الاتفاق النووي بعيد تأهيل إيران، ويفتح خزائن الأرصدة المجمّدة، ويفتح الأبواب على مصراعيها أمام النفط والغاز الإيرانيّين بطلب غربي للتعويض عن حصص روسيا المفروض عليها عقوبات.

ويعتقد قادة حزب الله أنّه  لو تمّ تجميد توقيع الاتفاق الآن وتوتّر العلاقات الإيرانية-الأميركية، سيشعل ضوءاً أخضر من دولة المركز (إيران) إلى الوكلاء في اليمن، العراق، سوريا، غزّة، ولبنان لتسخين ساحات الصراع ضدّ حلفاء الولايات المتحدة.

في هذا المجال يلعب حزب الله دور «المدير السياسي والعسكري» لكلّ محور حلفاء إيران.

من هنا يخطئ تماماً من يرتكب 3 أخطاء في تصنيف وتقييم حزب الله اللبناني:

1- الخطأ الأول أنّ مرجعيّته الوطنية أهم من مرجعيته الطائفية.

2- إنّ مشروعه هو مشروع ولاية الفقيه وليس مشروع لبنان الحديث الذي أُسِّس على قيم مدنية وتوافقية وعقائدية عبر المئة سنة التي مضت.

3- إنّ الحزب هو حزب محلّي، بل هو حزب له دور إقليمي من صنعاء إلى بغداد، ومن بيروت إلى دمشق، ومن الجنوب اللبناني إلى غزّة.

على الرغم من التنسيق المتصاعد بين الرياض وباريس خلال العام الماضي، حتى الاتصال الهاتفي بين الرئيس الفرنسي ووليّ العهد السعودي لإدارة الملفّ اللبناني عقب الانتخابات، إلا أنّ مقود القيادة ما زال في اليد الإيرانية.

على الرغم من بيان الخارجية الأميركية الأخير الذي يطالب بالإسراع في  تشكيل حكومة جديدة بعد انتهاء ولاية حكومة الرئيس ميقاتي، يُتوقّع أن يحدث تعطيل في هذا التشكيل.

التشكيل الجديد للبرلمان اللبناني يعني أنّ المسألة أصبحت أكثر صعوبة في يد الثنائي الشيعي المسيطر على جزء كبير من الصوت المسيحي، لكنّها في النهاية محسومة بالغلبة العدديّة والقوّة الأمنية والدعم الإيراني.

ويمكن القول إنّه منذ صبيحة انتهاء الانتخابات البرلمانية اللبنانية قد بدأت معركة الرئاسة في البلاد بشكل فعليّ.

من هنا يمكن تغيير أيّ تحالفات أو انقسامات أو صفقات أو خيانات أو قرارات مقبلة لكلّ القوى السياسية الفاعلة من أجل الدفع بالرئيس المقبل الذي يريده في حال حدثت عملية تسمية وتمّ تنفيذ هذا الاستحقاق.

خلاصة القول: نعم حدث تغيير، لكنّه ليس التغيير الذي يُعيد إلينا لبنان المُختَطَف.

تلك كانت رؤية سعد الحريري حينما قرّر أن يبتعد عن مشهد تراجيدي مطلوب فيه أن يلعب الجميع، عدا أنصار طهران، دور الكومبارس!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.