بقلم عماد الدين اديب – حقيقة ما بين مصر والسعودية والإمارات

155

ما الذي يربط مصر والإمارات والسعودية -بقوة- في طبيعة علاقتها ببعضها البعض؟

ما الذي يربط الرئيس السيسي بالشيخ محمد بن زايد والملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بشكل إنساني وتفاهم شخصي واحترام في العلاقات؟

قال لي مسئول عربي لديه تراكم خبرة سنوات طويلة في ملف العلاقات العربية – العربية: «ظل العرب ظاهرة صوتية لسنوات طويلة حتى جاء التحالف العربي بين مصر والسعودية والإمارات والبحرين»، وأضاف: «الذي وحَّدهم هو الشعور بالخطر وبعد ذلك وحَّدهم أكثر الإدراك بأن هناك وحدة مصير مرتبطة بوحدة مصالح تستدعي فهم التنسيق والتعاون والسير بخطوات عاقلة نحو رعاية هذه المصالح دون عنتريات، مع الإيمان بأن لكل طرف ظروفه الموضوعية، وطبيعة تركيبته الداخلية».

من هنا تأتي أهمية فهم العلاقة بين تحالف القاهرة – الرياض – أبوظبي، فهو لا يقوم على تلك العبارة الأدبية الفارغة المعنى، والتي اعتدنا سماعها على مر السنين في البيانات الرسمية: «وأظهرت اللقاءات الأخوية التطابق الكامل في وجهات النظر بين البلدين في جميع القضايا».

هناك استحالة عقلية وموضوعية أن تتطابق الإرادات، والمصالح، والأفكار والرؤى بين أطراف مختلفة.

هذا لم يحدث في حلف وارسو، وحلف الأطلنطي، ولا في دول الاتحاد الأوروبي.

ولكنْ هناك أهدافا واستراتيجية ومدى زمنيا للملفات والقضايا، المهم أن يتفق الحلفاء على خطوطها العامة مع ترك مساحات للحركة الحرة لكل طرف، كي يصل إلى ما اتفق عليه.

أحياناً يتقدم طرف على الآخر، بمعنى أن يسبق حليفه في تحقيق الهدف المتفق عليه، وهذا طبيعي ومنطقي وإنساني لاختلاف ظروف كل طرف في التحديات والإنجاز.

المهم، ألا يخرج طرف عن المبادئ الأساسية أو عن الأهداف النهائية.

والأهم ألا تحدث عمليات «غدر سياسي»، مثل حالة قطر مع دول مجلس التعاون الخليجي، أو مثل تركيا في منظمة التعاون الإسلامي.

الأهم ألا يغزو طرف أخاه مثل حالة العراق مع الكويت، أو تآمر اليمن على السعودية.

وبالعودة إلى ما كتبناه هنا عن «مفاتيح شخصيات كل من الرئيس السيسي والشيخ محمد بن زايد، والأمير محمد بن سلمان»، فإن هناك 4 عناصر شخصية وموضوعية تجمع بين الزعماء الثلاثة:

1- المكون الأخلاقي في التعامل القائم على الالتزام، والانضباط، والوفاء بالوعود والعهود.

2- يدرك كل طرف منهم قوته الذاتية، لكنه يدرك أيضاً أنه يزداد قوة في مواجهة التحديات القائمة في حال تحالفه الوثيق مع أخويه.

3- أن تحالف المصالح هو قضية غير عاطفية، لكنها قضية وجودية براجماتية بالدرجة الأولى، لكن لا يمكن تجريدها من مضمونها الأخلاقي وطبيعتها الإنسانية، لذلك لا يمكن تجاهل عنصر «التفاهم الشخصي والتجانس المبدئي بين الزعماء الثلاثة».

كان الزعيم البريطاني وينستون تشرشل يقول عن التحالفات: «لا يمكن لك أن تتعاون مع حليف لا تحبه أو تكره التعامل معه».

إذاً المكون الشخصي في علاقة الزعماء الثلاثة جوهري ورئيسي في دعم المصالح العليا لمصر والسعودية والإمارات، فالمسألة في البداية والنهاية هي مصالح دول وليست علاقات أصدقاء، ولكن: «العلاقات الشخصية الجيدة والتجانس الإنساني يخدم -بالتأكيد- تنمية هذه المصالح وازدهارها».

كم من الإخفاقات والتوترات والفرص الضائعة في تاريخ العرب حدثت نتيجة عدم وجود كيمياء بشرية بين زعامات أو لأمور شخصانية محضة لا علاقة لها بلغة المصالح العليا بين البلدين.

المسألة الرابعة والأكثر أهمية هي وحدة الخطر والمخاطر التي تواجه مصر والسعودية والإمارات.

هذه الدول كما وحدتها المصالح وحدتها أيضاً وحدة المخاطر والتهديدات.

ليس صدفة أن يكون أعداء هذه الدول الثلاث هم ذاتهم: تركيا، قطر، إيران وأتباعهم داعش، القاعدة، الحشد الشعبي، حزب الله برعاية قطرية.

ليس صدفة أن تكون إيران هي العدو الذي يهدد السعودية والإمارات، والملاحة في الخليج، والعراق، ولبنان وسوريا، ما يهدد حدود السعودية والإمارات، والملاحة في قناة السويس لمصر، وسلامة المشرق وشرق المتوسط لمصر، وليس صدفة أن تكون إيران التي تدعم الحوثيين ضد السعودية هي من تحتل 3 جزر إماراتية!

وليس صدفة أن تكون تركيا، التي تهدد غاز شرق المتوسط وحدود مصر الغربية، هي من تحاول ابتزاز السعودية سياسياً وتحارب الإمارات، هي أيضاً من ترى أن أبوظبي حاولت بواسطة القيادي الفلسطيني محمد دحلان قلب نظام الحكم، وفشلت في إقناع الإنتربول الدولي بتوجيه أي إجراء ضده، ذلك كي تبرر سلوكها العدواني ضد الإمارات لإخفاء حقيقة مخجلة هي أنها تعادي أبوظبي بأوامر وتمويل صريح من الدوحة.

وليس صدفة أن قطر تآمرت وموَّلت وسلَّحت من أجل قلب الحكم في مصر وقتل الجنود والضباط المصريين في سيناء، ودعم شبكة التآمر الإخوانية في الإمارات، وأعطت لجوءاً، ومازالت، لما يعرف بالمعارضة السعودية والمصرية وأي قوى تعادي القاهرة والرياض وأبوظبي.

وليس صدفة أن قطر تموِّل تركيا في حروبها ضد مصر والسعودية والإمارات من اليمن إلى إثيوبيا إلى ليبيا إلى العراق.

تركيا تسعى لإعادة الخلافة الإسلامية وإعادة 29 ولاية كانت تتبعها ثم تخلَّت عنها منذ مائة عام في لوزان.

إيران تريد فرض نظام دولة ولاية الفقيه ونشر الثورة الطائفية لتمهيد الأرض لحين عودة الإمام الغائب من غيبته الكبرى!

قطر تسعى لإقامة مشروع تخريبي يهدم الكبار في المنطقة بضرب هذا بذاك، بحيث لا يبقى في النهاية سوى الصغير حجماً ومساحة وتأثيراً، مستخدمة في ذلك شعار الإسلام بواسطة التنظيم الدولي لجماعة الإخوان.

وليس صدفة أن هناك حلفاً شريراً يضم إيران وتركيا وقطر وداعش والقاعدة والحشد الشعبي يسعى لهدم الأنظمة الوطنية التي تعمل ليل نهار لتحديث بلادها من أجل رفاهية مواطنيها.

إننا ببساطة أمام «فريقين»، «خندقين» «فسطاطين»، الأول: معسكر العقلاء الذين يراهنون على احترام سيادة الدول وتحقيق الرفاهية والتقدم في ظل استقرار إقليمي وسلام دولي، أما المعسكر الثاني فهو الذي يقوم على تحالف الشر الذي يريد تحطيم الدول الوطنية بواسطة ميليشيات الإرهاب التكفيري الديني.

يمكن القول إن الفهم الثنائي بين كل طرف وآخر من دول التحالف الثلاثي أصبح أكثر عمقاً وأكثر نضجاً، يدرك فيه كل طرف ظروف الآخر داخلياً وإقليمياً ودولياً، ويدرك قدراته فيما يقدر ولا يقدر عليه تبعاً للظروف والتفاصيل.

هذا التحالف الثلاثي هو مسألة وجودية أساسية ليس فقط لهذه الدول صاحبة الصلة، ولكن أيضاً لتأسيس وتعميق «مشروع عربي معتدل وعاقل يمارس لغة المصالح القومية، يسعى للبناء والتعاون وليس الهدم، يدافع عن الدولة الوطنية المدنية المستقلة وليس دويلات الميليشيات الطائفية التكفيرية العميلة».

التجربة تتطور، والتحالف يكبر، وهو قادر على جمع قوى أخرى عربية في صفه.

المؤكد أنها تجربة ليست ملائكية يقدم عليها بشر يتعاملون في أصعب أوضاع المنطقة والعالم، يصيبون ويخطئون، لكن الأمر المؤكد أن زعامات هذه الدول: صادقة، واعية بمصالحها، تتعامل بأخلاقية، لا تبيع سيادتها ولا تساوم عليها، والأهم الأهم الأهم أنها لم ولن تُقدم على تنفيذ مشروع شرير يعرف سلوكيات الغدر والخيانة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.