بقلم عماد الدين اديب – ضحايا «كورونا» يُسقطون «ترامب»!

54

لو كنت من تلك الدول التي تراهن على فوز دونالد ترامب بمدة ثانية للرئاسة لشعرت -اليوم- بقلق شديد، وبدأت أعيد كل حساباتي.

انتقل فوز دونالد ترامب بـ3 مراحل حتى الآن:

الأولى حتى يوليو الماضى، وذلك كان الفوز المؤكد لأنه استند على نمو غير مسبوق في الاقتصاد، انخفاض تاريخي في معدلات البطالة، صعود قوى للغاية في سوق المال الأميركية.

الثانية من نوفمبر من العام الماضي حتى منتصف يناير من العام الجاري، وهي مرحلة فتح فيها مجلس النواب، ذو الأغلبية الديموقراطية، ملف تورط الرئيس ترامب فيما عُرف بـ«الملف الأوكراني»، وهي فضيحة سياسية بكل المقاييس، وسوء استخدام صريح للسلطة يعاقب عليه الدستور والنظام والعرف السياسي.

تلك المرحلة كانت مرحلة «التهديد».

المرحلة الثالثة بدأت منذ اندلاع فيروس كورونا عالمياً منذ شهرين، ثم صعود منحنى التأثير على الداخل الأميركي.

وبدأ هذا الأمر من حالة إلقاء اللوم على «بكين» وتسمية «ترامب» للفيروس بـ«الفيروس الصيني»، إلى مرحلة التهوين من آثاره أميركياً، إلى الوعد بالسيطرة عليه وإيجاد حلول سريعة واكتشاف عقار معالج.

في هذه المرحلة الأخيرة، وهي مرحلة سوء إدارة ملف «كورونا»، وضحت خمسة أمور كاشفة للغاية بالنسبة لشخصية وأسلوب حكم الرئيس ترامب:

أولاً: أن الرئيس يتحدث في ملفات غير فاهم وغير متخصص في تفاصيلها، خصوصا حينما يكون الموضوع متعلقاً بفيروس وبائي غامض احتار أكبر العلماء في تشخيصه ومعرفة دورة حياته وإمكانات الشفاء منه.

وفي هذه النقطة وقع «ترامب» أمام الإعلام والرأي العام في أخطاء فادحة، وإذا كان الرجل قد وعد شعبه بإدارة الأزمة، فإذا بالأزمة تديره!

وكان النائب الأميركي الشهير «مارك توين» ينصح الساسة في أميركا: «لا تتحدث فيما لا تعرفه، ولا تبدو عالماً فيما تجهل، واعترف أمام نفسك بأنك جاهل وتجهل واترك من يعلم يشرح لمن لا يعلم».

ثانياً: اتضح بشكل واضح عدم ظهور أي قدرة إدارية لدى «ترامب» في إدارة الأزمة بشكل سريع، وكفء، ومتعمق في خطورة الملف.

وكان البعض يعتقد أن «ترامب»، صاحب كتاب «فن الصفقة»، الصادر في عام 1996، ونجم برنامج شهير عن فن البيزنس والإدارة بعنون «ذا أبرنتس»، قادر على إدارة أزمة مثل أزمة «كورونا» بقوة ومرونة وتجاوز للبيروقراطية وسرعة وكفاءة.

ذلك كله ثبت عكسه، وظهر الرجل: «غير مدرك لطبيعة الفيروس وحقيقة الأزمة».

ثالثاً: فقدان الرئيس ترامب للإحساس بعنصر الزمن، وكما وصفه ماريو كومو، حاكم ولاية نيويورك: «أضاع (ترامب) وقتاً ثميناً دون مبرر، سوف ندفع ثمنه قريباً من أرواح مرضانا».

رابعاً: التسييس المحلي للأزمة من قبَل «ترامب»، بمعنى أنه قام بالتعامل مع ملف «كورونا» من منظور «حزبي ضيق»، وليس بأسلوب إنساني عابر للأحزاب وللأيديولوجيات ولعبة الثأر والثأر المضاد، وهو أسوأ شيء يمكن أن يحدث في مجال إدارة الأزمة، أي أزمة، في أي زمان ومكان.

خامساً: خيّب «ترامب» أمل حلفائه في العالم، ولم يلعب الدور الأميركي المعتاد كـ«أخ أكبر لأوروبا» والدول الصغيرة التي تنظر إلى «واشنطن» وكأنها كعبة السياسة، ومركز الكون، والحل السحري لقضايا البشرية.

ظهرت تصريحات «ترامب» منكفئة على الداخل شديد الانعزالية، غير متعاطفة مع الحلفاء، غير عابرة للأيديولوجيات.

موافقة الكونغرس ومجلس النواب على دعم الاقتصاد وإنعاش المجتمع بـ2 تريليون دولار ليست هي المسألة الأساسية التي تطرح نفسها داخل المجتمع الأميركي.

والمسألة الآن ليست من يحب «ترامب» أو من يكرهه، وليست المنتمي للحزب الديموقراطي أو الجمهوري، وليست من ينتمي للطبقة العاملة أو صغار الموظفين وكبار رجال أسواق المال، وليست أصحاب المشروعات الصغيرة الذين يتعيشون عليها بشكل يومي أو «حيتان الرأسمالية المتوحشة»!

المسألة اليوم في الولايات المتحدة هي انكشاف وهْم أغنى وأكبر إدارة حكومية في العالم أمام مواطنيها، وعدم قدرتها على حمايتهم من الوباء، والعمل على إنقاذ حياتهم.

ها هي الأرقام تقول إن الولايات المتحدة ستكون الأعلى في الإصابات، والأقل في التعافي، وصاحبة معدل وفيات أعلى من معدل الوفيات في الصين وإيطاليا وإسبانيا وإيران!

ظهر «ترامب» كـ«مقاول سياسي» أكثر منه زعيم دولة عظمى، وكرجل حزبي أكثر منه رئيس جميع الأميركيين، و«محاسب أو مدير خزانة شركة» أكثر منه حاكماً يفهم ويقدّر دور الرعاية الاجتماعية.

في ظل ذلك يواجه «ترامب، منذ بدء أزمة «كورونا»، حالة صراع دائم مع مساعديه والحلقة الضيقة القريبة منه.

لعلكم تلاحظون أن جميع تصريحات «ترامب» الكارثية هي تلك التي أطلقها شفهياً دون القراءة من نص مكتوب.

ولعلكم تلاحظون أن التصريح الوحيد الذي اضطر فيه الرجل للاعتراف بخطورة الأزمة وفداحة التحدي، وخطأ التفسير في أنه كان يعتقد أن «الفيروس الصيني» سيبقى في داخل الصين ولن يغادرها، جاء حينما قرأ يوم «الثلاثاء» من نص مكتوب فرضه عليه مساعدوه بعد جدل وصراع شديدين.

أخيراً قال «ترامب»، وهو يقرأ من النص المكتوب: «علينا أن نتوقع أن أمام الأميركيين أياماً سوداء، وأن الآتي في الأسبوعين المقبلين هو الأصعب».

وبناءً على ما سبق تنازل الرجل عن موقعه المستهين سابقاً بالفيروس، والواثق بشدة من إيجاد حل وعلاج، والمتفاخر -كذباً- بالقدرة على السيطرة على الأمور.

تنازل «ترامب» عن وعوده بالحل في نهاية شهر مارس، وفي أعياد الفصح الأميركية في 12 من الشهر الجاري.

مستقبل «ترامب» السياسي يحسمه «عدّاد أرقام»، هو بالتأكيد ليس عدّاد أرقام قاعدة الناخبين، لكنه العدّاد اليومي لضحايا مصابي الفيروس، والموتى!

وعد «ترامب» أن يقضى على «كورونا» فإذا بالفيروس يكاد يقضى عليه!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.