بقلم عماد الدين اديب – عالم ما بعد كورونا: «أقل انفتاحاً.. أقل حرية.. أكثر فقراً»

71

اختلف العالم بعد كورونا، ولن يعود -أبداً- كما كان بأي شكل من الأشكال.

الأخطر من تأثير الفيروس، هو التغيير الجوهري الذي سيحدثه في حياتنا: سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وفي ما يعرف بـ«اللايف ستايل» الذي تعارفت عليه البشرية.

أنظمة ستذهب، حكام سيتساقطون، أحزاب سوف تختفي، قوى اجتماعية سوف تصعد، أفكار وقيم سوف تندثر مقابل عالم جديد يقوم على «الإنجاز والعلم والنتائج» واندثار مثلث «الأيديولوجية والشعارات والتحزب السياسي».

عدة دراسات وأبحاث خرجت في الـ90 يوماً الماضية للإجابة عن سؤالين: ماذا حدث؟ وماذا سيحدث بعد ذلك؟

وقد حاولت -قدر جهدي- أن أحصر هذه الأفكار ويمكن إجمالها على النحو التالي:

أولاً: ماذا حدث؟

كشفت أزمة الكورونا عالمياً عن النتائج التالية:

1- فشل النظام الصحي في أكبر الأنظمة العالمية للديموقراطيات الصناعية، ونجاح النظام الصحي الصيني الناتج عن نظام إداري مركزي شديد السيطرة.

2- فشل دونالد ترامب كمدير أزمة لأكبر دولة في العالم.

3- تعامل أكبر حزبين في الولايات المتحدة وسط الأزمة من منطلق حزبى ضيق تم فيه تغليب معركة الرئاسة على تحديات الخطر القومي الذي يهدد البلاد.

4- هشاشة الثقة في الأسواق الأميركية والعالمية وصدارة عنصر التأثير النفسي على عنصر القيمة المضافة في قرارات البيع والشراء والاستثمار وإنعاش الأسواق.

5- بطء الإدارة المركزية في التحرك وسط الأزمات كما ظهر في الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا.

واتضح في التراشق السياسي بين ترامب الجمهوري، وماريو كومو حاكم ولاية نيويورك الديموقراطي، أن صراع السياسة والبطء البيروقراطي يتم دفع ثمنه غالباً من أرواح المواطنين.

5- ثبت أن أوروبا هي سيدة العالم العجوز وأن شيخوخة الإدارة فيها أمر مخيف ومحزن.

6- تغليب بعض الحكام أمثال ترامب وبوريس جونسون للمصالح الاقتصادية على تأمين صحة المواطنين بصرف النظر عن الفاتورة المالية.

7- ثبت أن قدرة إدارة أنظمة الغرب في أوروبا والولايات المتحدة للأزمات هي وهم كبير، وأن إدارة هذه الأنظمة قد سقطت في أول اختبار كوني عقب الحرب العالمية الثانية.

8- ما يسمى بالنموذج الإيراني الذي يمكن أن يحتذى به في الحكم هو أكذوبة كبرى، كما يتضح من كارثة إدارة ملف الكورونا في البلاد والخسائر المخيفة التي تسبب فيها.

9- أن كثيراً من قطاعات الشباب تعاملت باستهتار مع التهديد الوبائي تحت دعوى أن الفيروس لا يهدد صغار السن، وهو أمر يعكس ضعف النفوس، وقلة الشعور بالمسؤولية، وقلة الضمير الأخلاقي، وسوء التقدير الإنساني، ما يلقي علامة استفهام كبرى حول هؤلاء وعلاقتهم بالمستقبل.

10- لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورين متناقضين: الأول إنساني أخلاقي تعبوي في تعميق التعاطف الإنساني ضد الفيروس، والثانى مناقض تماماً يسعى إلى التشكيك والعدمية والسخرية وتحطيم المعنويات بشكل جاهل وأحياناً متعمد تماماً.

11- حتى كتابة هذه السطور فإن ملامح فيروس كورونا هي:

1- خارج السيطرة.

2- سريع الانتشار.

3- ينتشر بالملمس وليس بالرذاذ فقط.

4- 25% من المصابين منه يتم شفاؤهم في فترة من أسبوعين إلى ثلاثة.

5- نسبة الوفيات معظمها لكبار السن وتصل بشكل عام إلى ما بين 4 إلى 7% من مجموع المصابين، وفي الحالة الأوروبية فإن 25% من السكان فوق الستين أي يقدر عددهم بـ191 مليوناً.

12- أثبتت أجهزة البحث العلمي وصناعة العقاقير الطبية بطء حركتها في إيجاد حلول سريعة للوباء.

ثانياً: التغييرات الجوهرية لشكل المستقبل:

يقول الباحث الشهير يوفال نوح هاراراي في بحث مثير للاهتمام نشر ملخصة في صحيفة الفايننشيال تايمز «إن العالم سوف يتجاوز أزمة الكورونا، ولكن الأمر المؤكد أن العالم سوف يختلف تماماً عما كان قبل الفيروس».

أولى علامات هذا التغيير هو علاقة المواطن بالدولة، وعلاقة الأمن بالخصوصية، والحريات بالمصلحة العامة.

سوف تحدث إعادة نظر كاملة في كل هذه المبادئ والحقوق التي استقرت خلال المائة عام الماضية.

سوف تطغى المصلحة العامة للمجتمع على كل تفاصيل الحرية الشخصية للمواطن كائناً من كان.

مثلاً: من أجل صحة المجتمع، لن يصبح ملف الإنسان الصحي من خصوصياته بل سيكون مشاعاً ومباحاً تماماً.

مثلاً سيكون ملفك الطبي أحد أهم المستندات التي سوف يتعين عليك تقديمها للحصول على وظيفة أو للحصول على تأشيرة سفر لدولة أخرى.

سوف يتعين عليك في مرحلة ما تركيب شريحة إلكترونية إلزامية للتتبع والمراقبة يتم الكشف عنها بأجهزة حرارية لمعرفة حقيقة أداء أعضاء جسدك ومدى تهديدها لصحة غيرك.

سوف تتم إعادة النظر في حجم تمويل وأسلوب تمويل النظام الصحى في دول العالم.

سوف يعاد النظر في شكل الأنظمة التقليدية حتى لو كانت عظمى، وسوف تسقط أنظمة لدول صغيرة ضعيفة.

– عالمياً سوف يشهد العالم حالة انكفاء غير مسبوقة على الداخل، وحالة من الانعزالية لخمس سنوات على الأقل.

– سيقل دور الأفراد في الإدارة الحكومية وسوف يزداد بشكل هائل دور الحكومة الإلكترونية، وتدعيم فكرة العمل والدراسة عن بُعد.

– صعود القوى الآسيوية: الصين، اليابان، الهند، سنغافورة، كوريا الجنوبية على حساب سيادة دور الغرب بزعامة الولايات المتحدة وأوروبا.

خلاصة القول يمكن وصف العالم الجديد بأنه: عالم أقل انفتاحاً، أقل حرية عامة وخصوصية، وأكثر فقراً وارتباكاً وأنانية!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.