بقلم عماد الدين اديب – أردوغان: أوهام القوة وعناصر الضعف (2)

39

سألت مسؤولاً عربياً يعرف أردوغان جيداً منذ العام 2000 حتى العام 2017، ما هي أهم عناصر الضعف لدى الرجل؟

أجاب على الفور: أردوغان ليس حالة واحدة، ولا سلوكاً واحداً، فالرجل يمكن تقسيم التغيرات في حياته إلى مراحل هي:

1- التعليم الأولى والجامعة.

2- التأثر بحركة أربكان.

3- دخول الحزب والانخراط في السياسة.

4- دخول السجن لكتابته أشعاراً ضد النظام.

5- الوصول لمنصب عمدة إسطنبول والنجاح الكبير.

6- حزب العدالة والتنمية.

7- أول حكومة وتحقيق نجاحات اقتصادية.

الكلام مازال -كله- للمسؤول العربي الذي يضيف «أردوغان هذا هو الإيجابي منذ الصبا حتى النجاح الاقتصادى ورفع معدلات التنمية في تركيا».

«أردوغان» الذي «أسكره» النجاح، وسيطرت عليه غطرسة «القوة» وأفسده وأفسد عائلته طبقة البيزنس التركية والمال القطري أصبح أردوغاناً آخر.

ويختتم المسؤول العربي: «لقد عرفت في حياتى أردوغان، ولكن بشخصيتين متناقضتين: الأولى حتى عام 2014، والثانية قبيل وبعد الانقلاب».

من كلام المسؤول العربي: «أردوغان الحالي أصبح مصدراً للمتاعب والصدام مع كل من حوله، ونقطة تفجير للمشكلات في الداخل والخارج، إلى الحد أنه أصبح أكبر عدو لنفسه».

هنا نعود لطرح الشق الثاني من هذه الدراسة المصغرة، وهو إذا عرفنا ما هي عناصر القوة التي يستند عليها الرجل بالأمس، فما هي عناصر ومصادر الضعف التي تهدد حاضره ومستقبله القريب؟

يمكن إجمال عناصر الضعف على النحو التالى:

أولاً: تدهور الاقتصاد

إذا كانت معدلات تقدم الاقتصاد الكلي التركي هي إحدى أهم دعائم قوة أردوغان وحزبه، فإن التدهور الاقتصادي الحالي هو أحد أهم عناصر الضعف والخطر التي تهدد الرجل.

ثانياً: ورث حزب العدالة والتنمية فلسفة وشعبية ومعدلات النجاح الاقتصادي لعهد وحزب الرفاه الذي قاده نجم الدين أربكان.

كانت هناك مجموعة من العقول والوجوه الشابة «المتضامنة المؤتلفة قلوبهم» من رجالات الحزب: «رجب طيب أردوغان، أحمد داوود أوغلو، مُنظر ومهندس الحزب، عبدالله جول، رجل السياسة والاقتصاد، الهادئ ذو الخبرة العربية، علي بابا جان، الماهر في التفاوض السياسي»، هذه المجموعة هي «نواة نهضة الحزب».

هذه المجموعة قامت عليها طفرة السنوات السبع في حياة الحزب، وحياة تركيا المعاصرة.

ثم حدث التحول في السلوك السياسي لأردوغان، الذي «أصابته أزمة الرغبة في الانفراد بالقرار وإلغاء شركائه في الحكم، والتأثر بمصالح العائلة أكثر من مصالح الحزب والوطن«.

نتج عن ذلك خروج جول، وأوغلو، وبابا جان وأكثر من 90 قيادياً في الحزب، وإعلانهم بشكل واضح معارضتهم لزعامة أردوغان وسياساته الانفرادية، وانغماسه وانغماس الدائرة الضيقة التي تحيط به في الفساد المالى والسعى لتحقيق مصالح خاصة وتغليبها على مصالح الوطن.

من هنا دعا داوود أوغلو إلى إنشاء حزب «المستقبل» المنشق عن العدالة والتنمية، وأسس علي بابا جان حزب «الديموقراطية والتقدم».

وآخر الانشقاقات عن الحزب الحاكم، هو ما أعلنه 17 عضواً قيادياً في الحزب عن رفضهم لسياسة الحزب الحالية وتقديمهم للاستقالة والانضمام لحزب «أوغلو» الجديد.

وتتوقع مراكز الأبحاث التركية أنه في حالة إجراء انتخابات نيابية ورئاسية الأسبوع المقبل فإن أردوغان وحزبه سوف يفقدون -بالتأكيد- الأغلبية المطلقة في المدن الحاسمة ذات دوائر التأثير والكتل الانتخابية في أنقرة، وإسطنبول، وأزمير، وسوف يتهدد مركز الحزب التقليدي في مناطق الأناضول المحافظة.

ثالثاً: علاقات أردوغان المضطربة عالمياً:

لم يحظ زعيم سياسي في العقود الثلاثة الماضية بنصيب الأسد في إثارة المتاعب، والاشتباك السياسي، والصدام الشخصي مع أهم زعامات العالم مثلما حظي رجب طيب أردوغان.

اصطدم أردوغان بكل من:

أنجيلا ميركل، ماكرون، بوريس جونسون، فلاديمير بوتين، وهاجم كلاً من رؤساء حكومات إيطاليا، هولندا، النرويج، وأساء إلى حكام مصر، السعودية، الإمارات، وشن هجوماً قاسياً على الناتو، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التضامن الإسلامي، والجمعية العامة للأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي والنظام السياسي الأميركي.

وانتقد أردوغان بشكل سافر غير مسبوق السياسات الداخلية لدول ذات سيادة، مثل: السودان، الجزائر، تونس، مصر، ليبيا، سوريا، لبنان، فلسطين، إسرائيل، اليونان، قبرص، إيطاليا، هولندا، النرويج، الدنمارك، ألمانيا، الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات.

ودون الدخول في تفاصيل ووقائع هذه الأزمات إلا أنه من المستحيل أن يعادي شخص واحد كل هذه الدول، ويهاجم كل هذه الزعامات، ويتدخل بشكل مؤذٍ في سياسات كل هذه الدول دون أن يخلق ذلك بيئة معادية له، وتم تصنيفه على أنه أكبر مصدر للمتاعب في العصر الحديث!

علاقة أردوغان بالمؤسسة العسكرية التركية هي مصدر توتر وتهديد دائم.

وسوف يسجل التاريخ أنه إذا كان مصطفى كمال أتاتورك هو مؤسس الفكر الكمالي العلماني القائم على إعطاء سلطة استثنائية عابرة للسلطات الثلاث (التنفيذية – التشريعية – القضائية) في تركيا منذ العام 1923، فإن رجب طيب أردوغان هو الذي أنهى هذه السلطة وضربها عام 2017 تحت دعوى «إجراءات مواجهة الانقلاب».

العلاقة بين أردوغان وحزبه والجيش هي علاقة تصادم.

ومنذ صبيحة اليوم التالي لمحاولة الانقلاب فإن أردوغان يقوم بإجراءات إقصاء الجنرالات أصحاب الفكر الكمالي، واستبدالهم بآخرين من الموالين له، ولحزبه، ولفكر الإسلام السياسي.

والتعديلات الأخيرة تأتي في توقيت حساس، حيث هناك «تمدد توسعي غير مسبوق للجيش التركي خارج أراضيه في كردستان العراق، وإدلب سوريا، وغرب ليبيا، وقواعد عسكرية في مدغشقر، وجيبوتي، والصومال وقطر».

تعدد الجبهات، وتعدد مراكز القيادة والسيطرة، وتمدد خطوط الإمداد والتموين، هي من الأمور المقلقة والمرهقة لأي قيادة عمليات وهيئة أركان أي جيش من الجيوش.

ومن الثابت اليوم، أنه لا يوجد أي جيش من جيوش الدول الخمس الكبار، ولا أي حلف عسكري على ظهر كوكب الأرض يحارب، في ذات الوقت، على عدد الجبهات التي يحارب عليها الجيش التركي الآن!

وإذا كان أردوغان يسعى لتسويق العمليات العسكرية على أن ظاهرها أمني عسكري إلا أن باطنها هو تأمين مكاسب اقتصادية وتحقيق سيطرة على موارد نفط وغاز، وفرض مشروعات إعمار وبناء وفتح أسواق جديدة للمنتجات الرأسمالية والشركات التركية، فإن ذلك كله يجعل أي قيادة عسكرية تركية في حالة «توتر وقلق» استراتيجي.

علاقة أردوغان بالإسلام السياسي قد تخدمه لدى جمهوره في الداخل، لكنها بالتأكيد لم ولن تخدمه في:

1- إقناع الاتحاد الأوروبي بقبول عضويته.

2- اصطدامه المباشر مع حكومات أوروبا التي تمر الآن بحالة من سيادة نفوذ وصول الأحزاب الشعبوية اليمينية المتشددة، وهي خصم سياسي له ولأفكاره.

3 – بدء حدوث تحول في مواقف العديد من الدول تجاه التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين:

مثل روسيا، ألمانيا، هولندا، بلجيكا، إيطاليا.

ما يجعل احتضانه للإخوان على الأراضي التركية مصدر متاعب لبلاده مع هذه الدول.

ذلك كله يضع أردوغان في موقف التآكل من الداخل التركي والضعف من الأطراف، إلا أن الإشكالية الكبرى هي أن مشكلته في الرأس، نعم رأس أردوغان نفسه، الذي انفلت وأصبح خارج السيطرة، حتى على أكبر «صانعيه ومؤيديه» في واشنطن وحلف الأطلنطي وحزبه الحاكم.

قد يبدو للوهلة الأولى أن سياسة القوة التي يتبعها أردوغان هي تعبير عن قوة صاعدة لكنها -لمن يفهم بعمق- هي إشارات انتحار سياسي لرجل لم يفهم حدود قوته!

يعيش أردوغان الآن «خريف حكمه السياسي» فورقة «القوة» الاقتصادية التي كان يستند عليها تتلاشى، حسب المؤشرات الأخيرة.

تقول المؤشرات «الرسمية» إن إجمالى الدين العام على تركيا قد بلغ 240 مليار دولار حتى نهاية مايو الماضي، بحيث أصبح كل طفل جديد يولد مديناً بحوالى 20 ألف ليرة تركية (الدولار تجاوز السبع ليرات).

فقدت الليرة التركية 40% من قيمتها خلال عامين، وتتهم المعارضة حكم أردوغان بضياع نصف تريليون ليرة في المغامرات الخارجية والفساد وسوء الإدارة.

انخفض رأس المال الأجنبى في البورصة التركية بمقدار النصف، وتحتل البلاد المرتبة رقم 14 من حيث أعلى نسب التضخم من بين 205 دول من دول العالم.

وأصبحت تكاليف الحياة والأسعار والخدمات مرتفعة بشكل طارد للسياحة والاستثمار، بعدما كانت الأسعار المنخفضة في تركيا نقطة جذب.

العنصر الثاني في اقتراب «خريف أردوغان» هو حالة «التذمر والقلاقل الاجتماعية السياسية» بسبب سياسة الاستبداد والبطش ضد المعارضين.

وبناء على بيان رسمي وعلني لوزير الداخلية الحالي سليمان صويلو، فإن السلطات في تركيا قامت منذ محاولة الانقلاب 2016 حتى الشهر الماضي باحتجاز 282 ألفاً و790 شخصاً وحبس 94 ألفاً و974 آخرين. وأوضح أن وزارته شنت 90 ألفاً و66 حملة أمنية، وأن عدد «السجناء» الحالي يبلغ 25 ألفاً و912 شخصاً.

وأوضح وزير الداخلية التركي أن السلطات قامت بعزل أو طرد 150 ألفاً من موظفي الحكومة وأفراد الجيش والشرطة.

ما سبق هو إحصاءات الاقتصاد الرسمية، وأرقام الوضع الأمنى الرسمية التركية، أما أرقام المعارضة فهي تزيد على ذلك بكثير لكننا نكتفي هنا بالأرقام.

العنصر الثالث في خريف أردوغان هو ما نتج عن اجتماع أردوغان مع مجلس الشورى العسكري الأعلى الذي عقد يوم الخميس الماضي، وأعلن بعد هذا الاجتماع الإطاحة بـ30 جنرالاً من قيادات الجيش وترقية 17 من أتباعه، كما تمت ترقية 51 عقيداً عاماً للمرتبة الأعلى، وتم تمديد عمل 294 عقيداً إلى عامين، وتم تفسير ذلك بأنها إجراءات تشديد القبضة على المؤسسة العسكرية.

بناء على ما سبق في استشعار الرجل للتحديات الاقتصادية، والسياسية، والأمنية يهرب أردوغان إلى البحث عن الحلول، من خلال ممارسة سياسة قرصنة بحرية للغاز، وإجحاف مائى لمياه العراق وسوريا، وسيطرة على ولايات عثمانية قديمة، واستنزاف أموال الصندوقين السياديين لقطر وليبيا.

حل الأزمات عند أردوغان في الخارج والمنطقة وليس في الداخل.

حينما يصبح اللاعب أكبر من حدود اللعبة يسقط!

وحينما يصبح اللاعب مصدر إزعاج للجميع، يجتمع الجميع عليه كى يتخلصوا منه!

وحينما يعتقد اللاعب، أي لاعب، أن قوته الذاتية، حتى لو كان نابليون أو هتلر، أقوى من مجموع قوى أعدائه، ينكسر عسكرياً.

كل من لم يعرف سقف حدود قوته واصطدم بالعالم، انهزم وسقط سقوطاً مدوياً.

أهم عناصر ضعف أردوغان، هي أردوغان نفسه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.