بقلم عماد الدين اديب – في كورونا: «العرب أفضل من الأميركان والأوروبيين»!

56

كارثتان تسيطران على العقل السياسي العربي: كارثة النفاق، وكارثة تحقير الذات! إنهما حالتا تطرف من النقيض إلى النقيض!

ننافق غيرنا حتى لو وضعنا على صلبان وساقنا إلى معتقلات بغير وجه حق!

ونحقر أنفسنا وحكامنا حتى لو أشعلوا أصابعهم العشرة من أجل خدمتنا وتحسين أحوالنا!

وما بين النفاق الكامل والتحقير المدمر تضيع الحقيقة وتغيب أي إمكانية لرؤية موضوعية لواقع الأمر!

عشنا منذ الحرب العالمية الثانية حتى تفشي وباء الكورونا ونحن نؤمن بأن العالم الذي نحياه عالم متقدم متحضر قوي منظم كفء قادر يمثل القدوة والنموذج الأمثل وهو مجتمع الحضارة الأنجلوساكسونية في الغرب الأوروبي – الأميركي.

وعشنا نؤمن بأن النصف الآخر من العالم هو العالم المتأخر، المستهلك، المستورد، غير المبتكر، عديم الإبداع، الرجعي، قليل الوعي، محدود الثقافة، المتأخر في استيعاب العلم والتكنولوجيا، وذلك هو عالم الشرق الذي ننتمي له.

ولذا فالأحداث الأخيرة تصبح كاشفة فاضحة لتنهي وهم تفوق الغرب وتخلف الشرق، وتظهر لنا ضعف إدارتهم، وبطء قراراتهم، وقلة مخزونهم السلعي، واهتراء نظامهم الصحي.

وفي أحداث الكورونا بقدر ما كان أداء الأطباء والجيش والأمن عندنا عظيماً، فيه تفانٍ وإنكار للذات، كان أداء النخبة والإعلام مربكاً مزعجاً مخزياً بقوة للتشكيك والأخبار الكاذبة والتحقير من كل إنجاز إنساني وجهد وطني وكأن التقدم قاصر على جنس بشري وحيد دوناً عن غيره، ونسينا أننا في عصر الأندلس كنا نتسيد العالم علمياً وحضارياً.

وصلنا في تحقير الذات إلى تشويه كل جهد حكومي، وكل قرار مسؤول، وكل نشاط شعبي على أنه خاطئ، ضعيف، سيئ، مشكوك في قدرته على الإنجاز.

زايدنا على الذين يحملون حياتهم على أكفهم من أجل إنقاذنا!

زايدنا على قرارات الحظر واعتبرناها مقيدة للحريات، معطلة لحركة المجتمع بلا داع ولا منطق ولا ضرورة.

اعتبرنا إيقاف الأنشطة والتجمعات من كرة قدم، ومعارض، وحفلات، ومؤتمرات، ومدارس، وأعمال ومصانع على أنه إضرار لا داعي له بالاقتصاد وأرزاق البلاد والعباد.

اعتبرنا منع صلاة الجماعة في المساجد والكنائس وصلاة الجمعة ومنع السفر لأداء الفرائض الدينية على أنه تدخل في قدر الله وتعطيل لركن من أركان الإيمان والأديان.

تصرفنا بتعالٍ وعنجهية وعدمية دون أن نقدر حجم الأزمة، وهول المفاجأة، وخبث وتخابث الفيروس، وغموض التعامل معه وصعوبات إيجاد علاجات له.

تعاملنا كعرب وكأننا وحدنا الذين تعرضنا إلى جائحة هذا الوباء الفيروسي، ونسينا أو تناسينا أنه أصاب 195 دولة حتى الآن، وأصاب مليوناً ومائتي ألف حتى الآن، وأدى لوفاة من 5 إلى 7% من المصابين، ونتج عنه شفاء من 12 إلى 15%.

فكرنا داخل أنفسنا ولم نقارن أداءنا بأداء العالم كله، وفقدنا القدرة على التقييم الموضوعي والتقدير المتوازن للأمور والوقائع.

هذه المرة نقولها بأمانة: أداؤنا كبشر وحكومات أفضل من كبريات الدول والمجتمعات التي كنا نظن أنها نموذج يُحتذى به في كفاءة الإدارة، وفاعلية الإنجاز.

تعاملنا بقوة وكفاءة، رغم ضعف قدراتنا، أفضل من حكومات أنفقت تريليونات -تاريخياً- على بناء أنظمتها الصحية.

تعالوا نستعرض الوقائع.. ونسأل:

1- متى بدأ قرار الحظر الذي دعت إليه منظمة الصحة العالمية؟ كنا بحساب التاريخ أسرع من أوروبا والولايات المتحدة.

2- حجم التزامنا بالبقاء في البيوت في القاهرة، والرياض، وعمان، وبيروت، أفضل بكثير من التزام سكان روما، وباريس، ونيويورك، ولوس أنجلوس ومدريد، ولمن لا يصدق اقرأ جيداً تقرير أمبريال كوليدج الشهير وبيانات منظمة الصحة العالمية.

3- سرعة تلبية الحكومات العربية لاحتياجات الناس في توفير الكمامات والمعقمات أفضل بكثير من دول كبرى مازالت حتى الآن تعاني من نقص في توفيرها أو تبيعها بأسعار مجنونة.

4- الكشف المجاني على الفيروس والعلاج المجاني متوفر لدينا، بينما هناك نقص مخيف في عواصم ومدن كبرى أكثر تقدماً وثراء منا.

5- مسارعة معظم دولنا العربية بتوفير أسطول نقل جوي للعالقين من مواطنيها من الصين إلى لندن، ومن القاهرة إلى الرياض، ومن لندن إلى أبوظبي بينما مازالت هناك جاليات أوروبية وأميركية عالقة حول العالم لا تجد من يهتم بها.

6- شبكة الأمان التي وفرتها حكومات عربية لمواطنيها، والإعفاءات من الرسوم والغرامات، وتوفير السلع الأساسية للمواطنين أمر أشادت به منظمات دولية واعتبرته نموذجاً يحتذى به في التكافل الاجتماعي، وأرقام الإصابات ومعدل الشفاء والوفيات عندنا مقارنة بالعالم تشهد على هذا التقييم الموضوعي.

وأخيراً وضع رجال الجيش والشرطة والدفاع المدني والحرس الوطني والأطقم الطبية الحكومية والقطاع الخاص الطبي، والمتطوعون من الشباب والمتعاقدون من الأطباء، أنفسهم في خط الدفاع الأول من أجل مواجهة الوباء دون خوف أو حساب مكسب أو خسارة.

يجب ألا نجلد أنفسنا. نحن نخطئ كثيراً كثيراً.. ولكن هذه المرة اجتزنا الاختبار بكفاءة أفضل من غيرنا الذي كنا نرى فيه نموذجاً يُحتذى به في التقدم والكفاءة والعطاء.

بالمقارنة بأداء دول مثل الصين وسنغافورة وكوريا الجنوبية واليابان لسنا أفضل، لكننا كنا أسرع وأكثر كفاءة ومسؤولية من أميركا وأوروبا وأفريقيا مجتمعة.

صحيح أننا وقعنا في بعض الأخطاء، ولكن أخطاءنا تهون أمام الحسابات المميتة لترامب وجونسون وماكرون.

صحيح أن بعض عواصمنا لم تلتزم تماماً، لكن أداءها كان أفضل من نيويورك وباريس ولندن ومدريد وروما.

الآن ثبت لنا أن نموذج دول الأطراف: تركيا، إيران، إسرائيل، ليست في هذه الأزمة أفضل منا أو أكثر كفاءة، بل إن الأرقام تثبت العكس!

الآن ثبت لنا أننا عند الشدائد نُظهر أفضل ما فينا، وأن السيئ بداخلنا كان ومازال موجوداً، لكنه لا يمثل الأغلبية منا.

نحن بخير، وسنكون بإذن الله بخير، علينا أن نتوقف عن تحقير الذات، والحمد لله على كل شيء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.