بقلم عماد الدين اديب – في لبنان: «النظام يريد إسقاط الشعب» (1)

95

«الشعب يريد إسقاط النظام»، هذا هو الهتاف المتكرر في شوارع العواصم والمدن العربية للتعبير عن الثورة الشعبية والرفض للنظام والعهد.

غضب الناس من نظامهم أمر منطقى، وطلب الشعب إسقاط النظام أمر مشروع، ولكن غير المنطقي، بأي شكل من الأشكال، أن يسعى أي نظام، عامداً متعمداً، لإسقاط الشعب!

صدق أو لا تصدق، النظام في لبنان الآن يسعى لإسقاط الشعب!

نعم، إسقاط الشعب اللبناني يتم عبر الإفلاس، والتجويع، واستمرار الفساد المخيف!

يتم ذلك في ظل انفلات لجائحة الكورونا وخروجها عن السيطرة في ظل نظام صحي يعاني بشدة من ضعف الإمكانات وانعدام التمويل.

يحدث ذلك، وتجارة العملة، واعتبار الدولار سلعة للاتجار فيها يؤدي إلى تآكل العملة الوطنية واستحالة تكاليف الحياة، وفقدان الأجور والرواتب التي تُدفع بالليرة لقيمتها وقوتها الشرائية.

يحدث ذلك، وما تبقى من مواد تموينية مدعومة، أو مازوت وبنزين مدعوم يتم تهريبه عبر الحدود غير الشرعية لسوريا لإنقاذ اقتصادها المتجه للانهيار.

يحدث ذلك، والضغوط والعقوبات على إيران تترك آثارها القاسية على حليفها حزب الله اللبناني.

يحدث ذلك، وإسرائيل تقوم بعمل ضربات نوعية بشكل شبه يومى لأهداف إيرانية وقوات حزب الله في سوريا، وتقوم بعمليات تحرش على الحدود اللبنانية.

يحدث ذلك، وصندوق النقد الدولي يتوقع انكماشاً شديداً في الناتج الإجمالى المحلي للبنان بما لا يقل عن 12%، مع تباطؤ متوقع في تدفق رؤوس الأموال، مع استمرار اندلاع احتجاجات ضد النخبة الحاكمة.

وقامت وكالة موديز للتصنيف الائتماني بتخفيض تصنيفها للاقتصاد اللبناني من «ca» إلى درجة أقل وهي «c»، وبررت ذلك بأن هذا التصنيف يعكس تقديراتها بأن الخسائر التي يتكبدها حائزو السندات خلال التعثر الحالي للبنان قد وصلت إلى ما يتجاوز الـ65%.

وتوقعت «موديز» أنه يصعب وضع صورة مستقبلية مشجعة للاقتصاد اللبناني بسبب توقع خسائر كبيرة للدائنين من القطاع الخاص.

كل ذلك يتم والنظام السياسي منصرف إلى 3 أمور أساسية، وهي:

1- التركيز على الثأر والقصاص من كل الحكومات السابقة بدلاً من التركيز على الإنقاذ الثوري للبلاد والعباد.

2- استمرار السعي القديم لإعطاء الأولوية لمشروعات الفساد الإداري لنهب المال العام بدلاً من إلغائها، والتركيز على القضايا الحيوية العاجلة مثل: الكهرباء، والبنزين، والغذاء، والدواء.

3- التركيز على الثأر من المصرف المركزي وحاكمه، دون إيجاد أي حل عملي وملموس للإفراج عن أرصدة وودائع الناس المودعة في البنوك.

كل الأشياء الممكنة والأساسية لأي إنسان على كوكب الأرض تبدأ في لبنان بكلمة «لا»!

لا مصارف مفتوحة، لا تحويل للخارج، لا سيطرة على سعر الدولار، لا إمكانية لتأمين الطعام، لا كهرباء على مدار الساعة، لا بنزين ولا غاز متوافرا، لا حكومة جديدة، لا قانون جديدا للانتخابات، لا اتفاق مع صندوق النقد الدولي، لا أمل في إحياء اتفاق «سيدر»، لا ودائع من دول الخليج العربي، لا سياح عربا، لا تحكم في الحدود غير الشرعية مع سوريا، لا منع لتهريب السلع الأساسية، لا دعم أميركيا للجيش اللبناني، لا تأشيرات سفر للبنانيين من سفارات العالم، لا دورة للحياة الطبيعية، لا أرجيلة في المقاهي، والأهم من كل ما سبق: «لا أمل في اليوم أو الغد!»، وهذا هو الأخطر.

المتابع للملف اللبناني سوف يدرك أنه في ظل حرب أهلية استمرت 17 عاماً أدت إلى قتل وإصابة وتشريد أكثر من 350 ألف لبناني لم يفقد اللبناني في الداخل أو الخارج الأمل في غدٍ أفضل!

اليوم، فيروس اليأس أخطر من فيروس الكورونا!

ويرى بعض علماء الاجتماع أن استهتار الكثير من الشباب والشابات بالإجراءات الاحترازية في الآونة الأخيرة، هو لجوء إلى «سلوك انتحاري»؛ لأنه حينما يفقد الإنسان الأمل في الحياة لا يخشى الموت!

وأذكر أنني في صيف عام 1987 كنت أزور الصديق اللبناني العريق «ريمون إده» في منطقة «بوليو» بجنوب فرنسا، على امتداد ساحل مدينة «كان»، في الوقت الذي كانت فيه الحرب الأهلية في أوجها، فقال لى: «إن قيمة اللبناني تكمن في حيويته ومهارته وبراعته في التعامل مع تحديات الحياة».

وأضاف: «انظر إلى اللبناني ونجاحاته في صحراء الخليج العربي، وغابات أفريقيا السوداء، أو مدن أوستراليا وكندا، أو في تحديات أميركا اللاتينية، ستجده دائماً وأبداً أفضل من غيره»! ثم عاد وسأل: هل تعرف سر اللبناني؟

سألته: ما هو؟

قال: سر اللبناني هو الإدمان على الأمل!

لم يعش العزيز «ريمون إده» ليرى تحول اللبناني من الإدمان على الأمل، إلى الإدمان القاتل على اليأس.

تعيش الأنظمة بالاستقرار، والاستقرار يأتي بالشعور بالرضا، أو بالحد الأدنى منه، والرضا يأتي بالثقة، والثقة تأتي من تراكم الخبرة من التجربة، والتجربة أثبتت للمواطن اللبناني أنه يستحيل عليه الثقة بأي سياسي من النخبة الحاكمة أو المعارضة.

لذلك كله حينما يكون هتاف المتظاهرين من أكتوبر الماضي «كلن يعني كلن»، أي يتعين أن يرحل الجميع بلا استثناء، فإن ذلك هو إعلان وفاة شعبي لنظام بأكمله!

النظام والعهد والمؤسسات في لبنان تحتضر لتنتظر استخراج شهادة الوفاة.

المأساة أن الحكم في لبنان يريد إنقاذ نفسه على حساب الشعب، من هنا تصدق عبارة «النظام يريد إسقاط الشعب».

من ينهي الآخر؛ الشعب يسقط النظام، أم تحدث السابقة الخارقة غير المسبوقة ويسقط الحكم الشعب؟!

وما بين حرب الشارع ضد السلطة، وحرب السلطة ضد الشعب تغرق سفينة الوطن، ويغرق الجميع حكماً، وشعباً، ووطناً.

هذه هي وصفة احتضار وطن، ولكن الموت المؤكد آتٍ لا ريب فيه من السيناريو الكابوسي الآتي على النحو التالي:

عنوان السيناريو، هو تدخل 6 قوى لوراثة ما تبقى من لبنان المحتضر.

فرنسا التي استثمرت في لبنان منذ عهد المتصرفية التركية «1861 – 1981»، وإعلان الانتداب الفرنسي على لبنان عقب الحرب العالمية الأولى، أبلغت السلطة، عبر وزيرها «لودريان»، أن «الحياد والصندوق الدولي أمامكم والموت وراءكم».

وروسيا، التي ترث الآن الحكم الأسدي في سوريا، تريد تحصيل «فاتورة الوقف اللبناني» لمد خط وجودها على المتوسط، والغاز، والنفوذ.

والولايات المتحدة، التي تمارس نفوذها عبر الموارنة غير الإيرانيين، والسنة الخليجيين، وقيادة الجيش، تريد حماية استثماراتها التاريخية، ولكن عبر معادلة «دع القديم يسقط حتى نبني الجديد».

إيران، المحاصرة بقسوة، تريد، عبر حزب الله، أن تدخل لبنان كورقة مقايضة عند التفاوض مع الرئيس الأميركي المقبل سواء كان «ترامب» أو «بايدن».

تركيا، وهذا هو الخطر الجديد الآن، تريد غزو بيروت عبر نفوذها المتنامي في طرابلس الشمال، من خلال سياسة تمكين السنة الإخوان – السلفيين.

إسرائيل «نتانياهو»، المأزوم داخلياً وشخصياً، مستمر في ضربات نوعية لأهداف منتقاة في إيران وسوريا، وقريباً في لبنان، بتجريد حزب الله من قاعدته العسكرية.

الذين يستعدون لوراثة لبنان بعد الانهيار شركاء في جريمة اغتيال شعب، سبق أن قتله نظامه!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.