بقلم عماد الدين اديب – في ليبيا: «الفنكوش» التركي!

27

أصبح من المتعارف عليه في ثقافة المصريين الشعبية أن يتم إطلاق مصطلح «الفنكوش» على أي «مشروع نصب» يهدف للاحتيال والابتزاز!

وحينما نقول هذا «فنكوش»، فإنه يعنى أنه «شيء وهمي يهدف للخداع»، وحينما نقول: «دي آخر فنكشة» يعني أن الاحتيال قد وصل إلى منتهاه! والمصطلح انتشر بعد ظهور فيلم «واحدة بواحدة» عام 1984 بطولة الزعيم عادل إمام وميرفت أمين وإخراج نادر جلال.

وبهذا التعريف يمكن أيضاً تعريف «الفنكوش التركي» الذي يصنعه الآن رجب طيب أردوغان في غرب ليبيا! فهو يمارس «الفنكوش» على الطريقة التركية!

تعالوا نستعرض حقيقة الموقف للإجابة عن السؤال الكبير: هل عملية غرب ليبيا، التي يقودها ويديرها «أردوغان»، تنطبق عليها حالة «الفنكوش»؟

باختصار عملية ليبيا «فنكوش» ولّا مش «فنكوش»؟ «نصب واحتيال» أم موقف سياسي وعسكري حقيقي؟

في الفيلم، كانت الفكرة أن البطل (الزعيم عادل إمام) تورط في الإعلان عن منتج ليس له وجود في الحقيقة، فقام من خلال الاحتيال باختراع منتج لبيعه إلى الرأي العام.

في الحقيقة، أي في الواقع الليبي، علينا أن نناقش ماذا فعل «أردوغان»؟ وكيف قام بأكبر عملية احتيال سياسي ومقاولة صراع، واختراع توتر عسكري من خلال تعبئة الهواء السياسي في زجاجة ساخنة ومحاولة بيعها للعالم؟!

من أين بدأت القصة؟

في نوفمبر 2019 يخترع التركي خارطة بحرية جديدة بالمخالفة لما هو مستقر عليه في ترسيم الحدود البحرية في الاتفاقية الدولية للحدود البحرية.

وبمنطق «الفنكوش» تم اعتبار الساحل الليبي امتداداً للساحل التركي، الذي يعتبر امتداداً لساحل قبرص التركية التي يحتلها منذ 46 عاماً بقوة السلاح.

وبمنطق «الفنكوش» تم توقيع اتفاقية مخالفة للقانون البحرى بين «الفنكوش» التركي، ونظيره «الفنكوش» الليبي «السراج»، الذي انتهت ولاية حكومته، ولم يحصل على موافقة برلمان بلاده عليه.

وبمنطق «الفنكوش» تم توقيع اتفاق تعاون عسكري بين التركي «غير الجار» مع الليبي «غير الشرعي».

وبمنطق «الفنكوش» تم نقل 16 ألف إرهابي قاتل مطارد دولياً له سجل إجرامي من سوريا إلى تركيا.

وبمنطق «الفنكوش» تم تدريب الإرهابيين وتسليحهم ونقلهم إلى غرب ليبيا.

وبمنطق «الفنكوش» سكتت أوروبا وحلف الأطلنطي والولايات المتحدة التي لا تسمح بمرور ذبابة فوق شرق المتوسط إلا بإذن خاص، لكنها بمنطق «الفنكوش» سمحت بجسر جوي طوال خمسة أشهر دون اعتراض فوق ممرات جوية فوق أراضي إيطاليا واليونان وقبرص ومالطة، ولم يتدخل أحد!

وبمنطق «الفنكوش» تم تحويل مبالغ من البنك المركزى الليبي الموجود في طرابلس، والمسيطر عليه من حكومة السراج، تصل إلى 15 مليار دولار للبنك المركزي التركي والبنك الزراعي التعاوني في «أنقرة».

وبمنطق «الفنكوش» تم تمويل عملية ليبيا من تسليح، وتدريب، ونقل وإعاشة وإسكان للإرهابيين، من قبَل قطر وليبيا.

وقبل أن يمارس «أردوغان» سياسة «الفنكوش» على ليبيا، فهو -«كتر خيره»- بدأ «تعميم الفكر الفنكوشي» داخل تركيا.

من سياسات «الفنكوش» أن يصرح «أردوغان» بأن تركيا قررت إقراض صندوق النقد الدولي، وتبين أنه فنكوش كذّبه الصندوق رسمياً.

فنكوش آخر، حينما تحدث عن فائض في الموازنة، وهو أمر نفاه وزير ماليته علناً.

أما «الفنكوش» الكبير فهو ما أعلنه حزب العدالة والتنمية عن تقديم هبة تقدر بألف ليرة لغير القادرين، وحينما ذهب البسطاء، بحسن نية، إلى الحزب، اكتشفوا أن العملية فنكوش كبير يهدف لأخذ بياناتهم وتسجيلهم -دون إرادتهم- أعضاء في الحزب، ثم تلا ذلك بيان حزبي يتحدث عن الزيادة الهائلة في رغبة الأتراك في الانضمام بأرقام غير مسبوقة في الحزب!

إنها أعلى درجات «الفنكوشية» السياسية!

المشكلة في عمليات النصب والاحتيال أن القانون لا يعفي المغفلين من العقوبة ومن المسؤولية.

في عملية «الفنكوش» المسؤولية ليست على التركي وحده، ولكن على الذين باعوا أنفسهم له، والذين دعموه، والذين صدقوه.

لا يمكن عمل شىء شريف ونزيه بوسائل غير شريفة وأساليب احتيال.

لا يمكن للتجارة في السلاح، وفي المرتزقة، وفي الدماء، والتعاون مع القتلة والإرهابيين، أن تؤدي إلى إقامة خلافة عثمانية جديدة تقوم على أسس دولة عصرية متقدمة.

ما يقوم به «أردوغان» في عملية «الفنكوش» هو «قرصنة بحرية على ثروات شمال المتوسط، وعملية بلطجة سياسية ضد الاتحاد الأوروبي، وتهديد إرهابي لدول الجوار الليبي».

«عملية الفنكوش» هى كيف تبيع سلاحاً وتؤجر خبراء وتستولي على أموال الليبيين، وتسيطر على بترول وغاز بواسطة قوات مستأجرة لتهديدهم وتبتز غيرك!

وبمنطق «الفنكوش» قام «أردوغان» بتهديد الجميع، بمن فيهم أي تدخل مصري، رغم أنه لا يوجد له على الأراضي الليبية أكثر من 3000 عسكري تركي.

بمنطق «الفنكوش» يتحدث «أردوغان» عن حرب وتدخل، وإعادة لمشروع الخلافة العثمانية في ليبيا، رغم أنه يحارب بقوات وميليشيات ليبية ومرتزقة من سوريا وتونس والصومال.

وبمنطق «الفنكوش» يهدد «أردوغان» بخرق خط سرت – الجفرة، إذا لم تنسحب منه قوات الجيش الوطني، هكذا دون قتال!

وبمنطق «الفنكوش» يقوم «أردوغان» بالاستيلاء على الهلال النفطي الليبي حتى يحصل على نفط تاسع أكبر مخزون نفطي في العالم، وعلى أرصدة البنك المركزى، وحسابات هيئة الاستثمار الليبية، ويحصل على مقاولة إعادة إعمار ليبيا بواسطة الشركات التركية، وليذهب الجميع إلى الجحيم!

بمنطق «الفنكوش» عند «أردوغان» كيف تحقق بأموال غيرك (قطر – الخزانة الليبية) الاستيلاء على بترول وغاز غيرك، بواسطة قوات عسكرية لغيرك (ميليشيات ليبية – إرهابيين) بسلاح تركي مدفوع ثمنه بشكل مبالغ في أسعاره، مقابل مقاولة تدريب مدفوعة فاتورتها، لقوات تم نقلها بطائرات تركية تمتلكها شركة قريبة من آل أردوغان، كي يبتز اليونان وقبرص وسوريا وإسرائيل وإيطاليا وفرنسا كي يكون له حصة في كعكة ثروات شرق المتوسط تحت أكذوبة حماية المنطقة، وإقامة الخلافة والحفاظ على الشرعية الليبية!

بمنطق «الفنكوش» تحصل على أموال قطر لتهديد الحدود الغربية لمصر، بواسطة ميليشيات ليبية وسورية إرهابية مرتزقة بسلاح تركي!

إذا كان -كما قلنا- منطق «الفنكوش» هو منطق «النصب والاحتيال»، فهل هناك في التاريخ المعاصر ما هو أقوى من «فنكوش رجب طيب أردوغان»؟!

معلومة صغيرة إضافية: «كرر رجب طيب أردوغان، وهو يسرد ذكريات الطفولة، أنه كان يحلم بأن يكون لاعباً لكرة القدم، وعندما لم ينجح كان يحلم أن يكون ماذا؟ كان يحلم أن يكون ممثلاً! إي والله!

هذا هو الفنكوش التركي!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.