بقلم عماد الدين اديب – «كارثة الأميركان»: لا يفهمونا!!

368

أزمة الاميركيين في التعامل في السياسة الخارجية سواء مع حلفائهم أو خصومهم أنهم يجهلون تماماً التركيبة النفسية الخاصة بهؤلاء، ولا يدركون قانون الفعل ورد الفعل.

يعامل الاميركان العالم كما يعاملون أنفسهم، بنفس ثقافتهم، بنفس أسلوبهم، وكأنهم يتعاملون مع مواطنين أميركيين حتى لو كانوا صينيين أو يابانيين أو فلسطينيين أو مكسيكيين.

ليس مطلوباً من الاميركيين أن يعاملوا كل جنسية بقانون مختلف، ولكن المطلوب هو إدراك «الطبيعة الخاصة للثقافة الوطنية» لكل مجتمع. فما ينفع في التعامل مع السويدي أو السويسري لا يصلح بالضرورة مع النيجيري أو الكولومبي.

مثلاً حينما يجلس الديبلوماسي الاميركي مع مسؤول عربي واضعاً ساقاً فوق ساق بحيث يصبح أسفل أرضية الحذاء في وجه الضيف، هو بلا شك لا يدرك أنها إهانة لهذا الضيف.

لم يفهم الاميركان الأفغان رغم أنهم عاشوا معهم أكثر من ٣٠ عاماً.

ولم يفهم الاميركان سيكولوجية الشعب العراقي وثقافته وتاريخه وتقاليده رغم أنهم قاموا بإعادة تنظيم حياته ومؤسساته من الألف الى الياء في عهد «بريمر» عقب الاحتلال الاميركي للبلاد.

ولم يفم الاميركان حتى الآن اللبنانيين والفارق بين بيزنس الساسة اللبنانيين وبين طبيعة وخصوصية كل طائفة في البلاد.

لم يفهم الاميركان طبيعة الشعب المصري حينما وقفوا مع «العدو الاسرائيلي» في يونيو ١٩٦٧.

ولم يفهم طبيعة هذا الشعب في يناير ٢٠١١، ويونيو ٢٠١٣.

لم يفهم الاميركان الفارق بين كون الشعب السعودي متديّن بطبعه لأنه مهد الحرمين الشريفين وأرض النبوّة والرسالة الاسلامية، وبين التشدد والتكفير والعنف.

لم يفهموا كل هؤلاء وتعاملوا معهم بقانونهم وثقافتهم وأسلوبهم الاميركي!

مثلاً حينما يرفع وزير أميركي كؤوس النخب في مأدبة غداء لنظيره الوزير الذي ينتمي لدولة إسلامية، بالتأكيد هذا خطأ.

مثلاً حينما يقوم مسؤول بتقبيل زوجة مسؤول لدولة محافظة لا يتم فيها تبادل التحايا عبر القبلات فهذا أيضاً خطأ مزعج ومهين.

قد تكون هذه أخطاء في البروتوكول ويمكن هناك أخطاء تعكس الجهل المطبق بالعقلية السياسية والثقافة الوطنية والصفات الشخصية لسكان دولة ما.

مثلاً طريقة العرض التي صيغت به بنود «صفقة القرن» بعيداً عن العقل والمنطق وحدود المقبول والمعقول في العالم العربي، وكأنها رسالة إملاء وإذعان من قِبَل طرف صاحب يد عُليا على طرف مستضعف منزوع الإرادة!

مثلاً طريقة التعامل الاميركية مع دولة السودان الشقيق فيما يختص بعمل «مبادلة» أو مقايضة» مشروطة ما بين رفع اسم السودان من لائحة الإرهاب مقابل الإعتراف المسبق والكامل مع دولة إسرائيل.

وطريقة طرح المسألة أميركياً على المسؤولين السودانيين على طريقة «سلمني أولاً ثم أسلمك ثانياً» بمعنى الإعتراف والتطبيع قبل رفع اسم السودان من الارهاب.

هذا الطرح يفتقر الى الذكاء السياسي وفيه نوع من المساس بالكرامة الوطنية للسودان الذي يعاني حتى الآن من صراع مستمر للقوى السياسية المتشددة سواء كانت قومية أو بعثية أو شيوعية أو إسلاموية متشددة كل -بالضرورة- تقف ضد سلام سوداني – إسرائيلي.

يعلمون في واشنطن بما لا يدع مجالاً للشك أنّ الخرطوم سوف تقوم بإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، وأنّ هناك تعهدات شخصية وصريحة بهذا الموضوع، ولكن هذا إصرار على أن يتم السلام بالطريقة الاميركية من دون مراعاة للظروف والثقافة الوطنية للإنسان السوداني كريم النفس المعروف عنه اعتزازه بشخصيته الوطنية.

من هنا، يصبح من الغباء السياسي التعامل في هذا الملف بطريقة الإرغام والعنف وفرض الإذعان.

الاميركان يعيشون دائماً في كوكب آخر غير كوكب الارض، لهم قانونهم وقواعدهم، وأسلوبهم، المخالف تماماً لطبيعة بقية شعوب العالم.

المفروض في العقل السياسي الاميركي أنه عقل عملي براغماتي تقاس فيه الأمور بالنتائج النهائية.

إذا كانت «واشنطن دونالد ترامب» تريد إحراز نتائج إيجابية في عالمنا العربي فعليها أن تدرس وتفهم وتتعمق بقوة في ثقافة العرب والمسلمين والشرق أوسط قبل أن تتعامل معنا كمواطنين في شركة أميركية أو تابعين لسلطنة مستبدة أو عملاء برخصة لدى الاستخبارات الاميركية.

أفهمونا!

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.