بقلم: عماد الدين اديب – لبنان حالة من «التكفير» السياسي

43

قد يحصل السياسي على الأغلبية القانونية في أي تصويت، لكن ذلك لا يعني أنه حاصل على رضا الناس!

تُكتسب الشرعية عبر الأغلبية في الأصوات، ويختار كل نظام بعضاً من القواعد المنظمة التي تُمنح فيها هذه الأغلبية العددية عبر الصندوق الانتخابي، أو الأغلبية العددية، أو اكتمال عدد النصاب، أو التصويت الإلكتروني.

خير نموذج لهذه الحالة التي يحصل فيها السياسي على الأغلبية اللازمة، ولكن لا يحصل على الحد الأدنى من رضاء الناس، هو ما حدث أمس الأول في جلسة البرلمان اللبناني لنيل الثقة على حكومة د. حسان دياب.

عدد أعضاء البرلمان اللبناني 128 نائباً، وينص النظام والدستور على أن يتم التصويت على منح الثقة للحكومة المكلفة عبر استشارات سياسية ملزمة بنصف الحضور زائد صوت واحد على الأقل.

وقد بدأ رئيس البرلمان الجلسة بتعبير خاص به، وهو أن النصاب مكتمل على أساس الحضور داخل القاعة، ووجود نواب داخل المجلس وفي طريقهم للقاعة.

وسواء اكتمل النصاب اللازم عند انعقاد الجلسة أم لا، وسواء حصلت هذه الحكومة على كل الـ128 صوتاً لصالحها دون غياب أو امتناع أو اعتراض أي من النواب، وهي حالة تكاد تكون شبه مستحيلة، فإن ذلك لن يغير شيئاً في وقف قطاع كبير من الشارع اللبناني المنتفض على بُعد عدة أمتار من أسوار البرلمان.

النصاب القانوني، الأغلبية المطلقة، الأغلبية اللازمة، طريقة التصويت، شكل الصندوق، احتساب الأصوات، كل هذه شكليات بالغة الأهمية وقواعد ناظمة، استقرت عليها العملية الديمقراطية من الناحية الإجرائية لضمان المصداقية والنزاهة، لكنها لا تعني بالضرورة أن من تم انتخابه يحوز على رضاء الناس.

قد يقول قائل: «إن الاختيار من البرلمان هو اختيار من قبل ممثلي الشعب الذين جاءوا عبر صندوق انتخاب يعبر عن طوائف وطبقات ومناطق وجهات وأحزاب».

هذا -نظرياً- صحيح تماماً، ولكن -عملياً- يمكن الرد على ذلك بالآتي:

1 – إن هذا البرلمان تكون نوابه عبر قانون انتخابي يرفضه الناس، وهو أحد أسباب ثورة الشارع الحالية من الذين يسعون إلى تشكيل حكومة محايدة تصوغ قانوناً انتخابياً جديداً، يتم على أساسه اختيار برلمان آخر مختلف.

2 – إن قانوناً جديداً للانتخاب سوف يؤدي إلى تحويل لبنان إلى دائرة انتخابية واحدة، وسوف يأتي بتمثيل أكثر صدقية للشعب.

3 – إن القيمة في أي تشريع، بعد قانونيته، تكمن في القدرة على تطبيقه، والتطبيق يأتي بالدرجة الأولى من رضاء الناس عنه وقبولهم به.

هنا قد يقال فلتكن كل أصوات البرلمان مع هذه الحكومة، ولتكن كل الأحزاب التقليدية مع هذه الحكومة، ولتجتمع هذه السلطة في سراي مجلس الوزراء كما تريد، تحت حماية الجيش والأمن، ولتصدر ما تشاء من قرارات، وليوافق عليها البرلمان بالإجماع، وفي النهاية تصبح قرارات ملزمة بقوة القانون، لكن ابحث عمن يرضي بها أو يطبقها!

البيان الوزاري لحكومة د. حسان دياب واعد ومفصل، ويتحدث عن غالبية مطالب انتفاضة الشارع، وأكثر إلى الحد أن هناك شكاً أنه من الممكن تنفيذه، في ظل معادلات السلطة الحالية.

مشكلة البيان ليست في محتواه، ولكن في مصداقيته المجروحة لدى نفوس الشباب والشابات، الذين فقدوا الثقة في الطبقة السياسية كلها بلا استثناء، وكفروا بالأوضاع الحالية، حتى قاموا بالتكفير السياسي لكل من ينتمي إليها.

من هنا الأغلبية العددية لا تعني شيئاً!

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.