بقلم عماد الدين اديب – ماذا يريد «أردوغان» من ليبيا؟ (الأخيرة)

38

مصدر القلق الرئيسي للمشروع الأردوغاني «لتتريك العالم العربي» هو مصر بقيادة عبدالفتاح السيسي، المتحالفة مع السعودية والإمارات القوية بجيش هو التاسع في ميزان القوة في العالم.

من هنا لا بد من إسقاط نظام ثورة 30 يونيو 2013، ورحيل دور المؤسسة العسكرية المصرية، وإعادة حكم جماعة الإخوان المسلمين، كي يتحقق لـ«أردوغان» مشروع التتريك بأدوات عربية.

تقوم الاستراتيجية التركية تجاه مصر على أنه في حالة صعوبة إسقاط السيسي والجيش والدولة الآن، فعلى الأقل يمكن جرها واستدراجها إلى صراعات إقليمية تستنزف «مشروع مصر القوية» الذي بدأه الرئيس السيسي منذ 7 سنوات.

عام 2002 ظهر «أردوغان» في المؤتمر العام للحزب، وطالب صراحة بقيام «تركيا القوية» التي يمكن أن تعيد مجد الخلافة العثمانية.

إذاً نحن أمام مشروعين متصادمين بحكم التوجه النهائي، مشروع «أردوغان» لتركيا القوية، ومشروع «السيسي» لمصر القوية.

تركيا القوية عثمانية، ومصر القوية عربية، وهما خطان متوازيان لا يلتقيان ولا يتقاطعان فعلياً ومنطقياً.

هنا نعود إلى نظرية «المقاول التاجر» التي تتحكم في عقل وفكر ومصالح «أردوغان»، ونسأل ما الذي يريده -بالظبط- «أردوغان» من وجوده في ليبيا؟

بالفهم الصحيح للعقلية الأردوغانية، يمكن قول الآتي:

أولاً: هذا رجل لا يقبل بجزء من أي «كعكة»، ولكن يريد الكعكة كلها وحده، دون أن يتقاسمها مع غيره.

ثانياً: بناءً على ما سبق، هو يريد الغاز والنفط وإعادة إعمار ليبيا، والقواعد العسكرية، وحلم الخلافة، وتهديد مصر، وتحقيق مشروع قطر لإضعاف المؤسسة العسكرية المصرية، ويضرب مصالح شركات روسية وفرنسية وإماراتية ومصرية في آن واحد، في وقت يسعى فيه الرجل إلى مضاعفة عدد 120 شركة تركية العاملة ورفع الاستثمارات التركية – الليبية البالغة 120 مليار دولار في جميع القطاعات.

«أردوغان» لا يريد كل ذلك كاملاً بعد ان يسقط جيش حفتر، وبرلمان عقيلة صالح، وتنصيب «السراج» والميليشيات على ولاية ليبيا العثمانية مرة أخرى.

إذاً لا بد من خلق وضع ساخن على الأرض يؤدي لتغيير الخطوط والحدود والتوازنات العسكرية بواسطة عمليات تكتيكية لتغيير الوضع الاستراتيجي.

هذا هو نموذج السلوك الأردوغاني في العراق وسوريا وقبرص التركية، ويتم الآن في ليبيا.

خلق وضع يؤدي لاحتمالين:

الأول: الاحتفاظ بالأرض والمصالح ضد مشروع الخلافة العثمانية الجديدة عبر «الضم النهائي»، مثل حالة قبرص التركية.

الثاني: خلق وضع للمقايضة والابتزاز بعطية (حصة) يفاوض عليها كجائزة مرضية تترجم إلى حدود ووجود ومصالح ومقايضات وتوازنات إقليمية.

هذا كلام لا نتجنى فيه على الرجل، فالقارئ البسيط لـ«وكالة الأناضول» المعبرة عن رأي «أردوغان» وحزبه يرى التبرير في تقرير نشر الجمعة الماضي لشرح «المغانم الاستراتيجية ويعدد الموارد الطبيعية، والفوائد الكبرى من الوجود التركي في ليبيا». من هنا لا بد من إدراك أن الملف الليبي هو عمل له هدف داخلي تركي.

من هنا لا يمكن، وأكرر لا يمكن، أن يقف العمل الميداني العسكري التركي داخل خط سرت – الجفرة ولا يتعداه.

لن يحترم «أردوغان»، بحماقته السياسية كل الإنذارات التي تلقاها من قوى دولية عديدة بعدم اختراق أو محاولة اختراق هذا الخط.

ثالثاً: «إذا كان ذلك كذلك» كما يقولون، فيصبح السؤال: كيف يكون شكل التدخل التركي في عملية اختراق خط سرت – الجفرة؟

هنا تكون الإجابة هي هل الاختراق من أجل:

1 – خلق وضع تفاوضي سريع يمكن المقايضة عليه في مؤتمر دولي إقليمي؟

2 – أم أن الاختراق بهدف الاستيلاء أولاً على الهلال النفطي في الشرق الليبي؟

3 – أم أن الهدف النهائي هو إقامة دويلة إرهابية في الشرق الليبي تعتمد على إسكان وإيواء كافة الميليشيات الإرهابية في المنطقة أي من إرهابيي سوريا والعراق، وتشاد، ومالى، ونيجيريا، واليمن تقوم بإضعاف الدول الوطنية في مصر، والجزائر، وتونس والمغرب؟

إن الهدف النهائي لعملية «أردوغان» هو المحدد الرئيسي لحجم المشاركة المباشرة والتورط للجيش النظامي التركي.

رابعا:ً إن الأمر المؤكد أنه بصرف النظر عن الهدف النهائي للوجود التركي في ليبيا، فإن «أردوغان» -في البداية- سوف يعتمد على «معارك عسكرية»، هذا شكلها المتوقع:

1 – عمليات نوعية لا تعتمد على شكل الحرب التقليدية النظامية.

2 – قوام القوات المهاجمة لخط سرت – الجفرة هو تشكيلات مشتركة من ميليشيات ليبية تابعة للوفاق مع قوات مقدمة من الميليشيات السورية التي تتقن التوحش والترويع، بالتعاون مع قوات مرتزقة أفريقية وتونسية وشيشانية، عددهم 1580 سورياً و30 ألف ليبي و5500 مرتزق.

3 – سيكون دور العسكر الأتراك في هذه العمليات، والذين لا يزيدون -حتى الآن- على 3 آلاف:

1 – التخطيط وإدراك المعارك من خلال غرف قيادة وسيطرة.

2 – توفير المعلومات الاستخباراتية وإحداثيات المواقع.

3 – توفير وسائل الدعم الإلكترونية بالتشويش الراداري على الطائرات والصواريخ المهاجمة.

4 – توفير نظام دفاع جوي كفء يفقد «الآخر» المعادي أي سيطرة جوية.

5 – التأمين اللوجيستي بالسلاح والذخيرة والإمداد والتموين ودفع أجور ومرتبات وإعاشة المرتزقة الذين يتقاضون 2000 دولار شهرياً.

6 – مواجهة سلاح الجو التركي، والبحرية التركية، التي تم جلبها جواً وبحراً لأي محاولات لحظر طيران أو أي حصار بحري، وسوف تعتمد نوعيات اللجوء لأسلحة حديثة أو مقاتلات متقدمة أو صواريخ ليزر ذكية بناءً على سير المعارك.

7 – أكثر ما يحاول «أردوغان» تجنّبه هو عودة جنوده وضباطه في أكفان سريعاً إلى الوطن، وعدم وجود خسائر كبرى في العتاد: مثل طائرة مقاتلة أو غرق فرقاطة أو طابور مدرعات.

هذا كله يوفر لـ«أردوغان» لعب دور «مقاول حرب» يبيع سلاحاً وعتاداً، ويقبض مقابل نقل إرهابيين وإدارة معارك!

المواجهة آتية لا ريب فيها، ولكن شكلها وحجمها وحدودها ومدى تورط الأتراك فيها سيعتمد على القراءة النهائية لموقف روسيا واجتماع الناتو والاتحاد الأوروبي لبحث الملف الليبي الذي تحول وأصبح عنوانه: «أردوغان رجل أوروبا الأحمق». وهذا ما سيتضح يوم 19 الجاري في مؤتمر وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي.

تلك هي آخر مقاولات «أردوغان» التي تدار مالياً وإدارياً من شركة تركية يمولها البنك المركزي الليبي وقطر، ويدير الشركة رجل مقرب جداً من «أردوغان» شخصياً! ألم أقل لكم إنه مقاول؟!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.