بقلم عماد الدين اديب – «نتنياهو» يريد استسلاماً وليس سلاماً

24

قل ما شئت عن فاشية وعدوان إسرائيل، ولكن لا يستطيع السياسي المحترف إلا أن يقر لساستها بأنهم يعرفون جيداً إدارة الصراع وانتهاز الفرص وفهم المتغيرات السياسية وحساب الحسابات.

إسرائيل هي عدو محترف، يجيد إدارة اللعبة رغم أنه فاقد الشرعية الأخلاقية والقانونية لمشروعه الاستيطاني، بينما يقف الجانب العربى كمثال صارخ للاعب الفاشل لأكثر قضايا العالم أحقية وعدالة.

في النهاية تفوز إسرائيل لأنها تدرك قواعد اللعبة، تستثمر عناصر قوتها إلى أقصى حد، تسعى إلى تعبئة طاقات حلفائها وتحييد خصومها، وإضعاف أعدائها بجميع الوسائل والأدوات المتاحة.

منذ ساعات أُعلن رسمياً في إسرائيل تأجيل الحكومة تنفيذ قرار ضم مستوطنات الضفة الغربية للدولة العبرية.

تأجيل القرار لا يرجع إلى استيقاظ الحس أو الضمير السياسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ولكن لـ4 أسباب موضوعية لا يمكن تجاهلها:

أولاً: موقف الإدارة الأميركية التي توصلت بعد دراسة ومجموعة اجتماعات مكثفة خلال الأيام العشرة الماضية إلى أن صدور القرار الإسرائيلي بالضم الآن ستكون له آثار خطيرة في منطقة -هي في الأصل- على حافة الانهيار.

وكان البيت الأبيض قد عقد سلسلة اجتماعات مكثفة برئاسة وزير الخارجية، مايك بومبيو، وجاريد كوشنر، المستشار الخاص للرئيس ترامب، وآفي بيركو ينتز، ممثل الولايات المتحدة للمفاوضات الدولية، والسفير الأميركي لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، وانتهت هذه الاجتماعات إلى ضرورة «تأجيل» القرار الإسرائيلي بضم مستوطنات الضفة وغور الأردن.

ووضع هؤلاء في حساباتهم لتقدير الموقف دقة الموقف الانتخابي للرئيس الأميركي الآن في معركة تجديد الرئاسة.

ويدرك كل هذا الفريق مدى تشدد بنيامين نتنياهو في هذا القرار بسبب مشاكله الداخلية في إسرائيل.

ويدرك الجميع أن «نتنياهو» لا يريد سلاماً مع العرب، ولكن يريد فرض استسلام كامل، بمعنى قبول أمر واقع لجميع الشروط الإسرائيلية دون مراعاة لأي اعتبارات لمدى إمكانية قبول الطرف الفلسطيني لهذه الشروط مبدئياً وعملياً على أرض الواقع.

«نتنياهو» يؤمن بأنه لا يوجد شريك فلسطينى، ويجب ألا يكون. هذا هو

موقف الرجل منذ أن كان عضواً في الكنيست، وكان ممثلاً لبلاده في الأمم المتحدة، ومنذ أن خدم في وزارات الصحة والمالية والخارجية.

«نتنياهو» هو أكثر رؤساء الحكومات الإسرائيلية استمراراً في الحكم؛ فهو يشغل هذا المنصب منذ يونيو 1996، وتكرر انتخابه عدة مرات، إلا حينما خسر أمام إيهود باراك، وحينما تقاسم السلطة في حكومات تبادلية.

أيديولوجياً وإنسانياً يؤمن «نتنياهو» بأن ثمن اللا سلام أكثر ربحاً له في السياسة، أكثر من السعي للسلام الحقيقي.

ويؤمن الرجل بأن إسحق رابين، الذي قُتل وهو يدافع عن تسوية للسلام، قد أخطأ خطأ استراتيجياً في سعيه للسلام مع الفلسطينيين والعرب.

حارب «نتنياهو» العرب وجهاً لوجه في الجيش الإسرائيلي في عدة معارك هي: حرب الاستنزاف، وحرب أكتوبر 1973، والغارة الإسرائيلية لغزو لبنان عام 1968، ومعركة الكرامة بالأردن.

ولا ينسى «نتنياهو» -أبداً- فقدانه لأخيه الأكبر المقرب له «يوناتان» في عملية اقتحام الطائرة الإسرائيلية المخطوفة في مدينة «عنتيبى» الأوغندية.

«نتنياهو» ليكودي متشدد، مراوغ يغير تحالفاته ومواقفه بناء على مصلحته الذاتية، لا يؤمن بأي مواقف مبدئية سوى أن بقاء الدولة العبرية لا يمكن أن تضمنه سوى القوة المفرطة.

ثانياً: وضع الإدارة الأميركية مخاطر تأثر الحليف التاريخي لواشنطن، وهو الأردن، لنتائج مثل هذا القرار، وتأثيراته الداخلية على دولة يصل المكون السكاني فيها أن نسبة ذوي الأصول الفلسطينية يمثلون ما يقرب من ثلثي التركيبة الديموغرافية.

ثالثاً: استماع جاريد كوشنر إلى تحذيرات من «الأصدقاء» في السعودية ومصر والإمارات، والأردن، والمغرب من مخاطر وتداعيات القرار.

رابعاً: ما وصل إلى السفير الأميركي في إسرائيل من تحذيرات شديدة من جانب قوى عديدة من قطاعات مختلفة من المجتمع الإسرائيلى تمثل اتجاهات مختلفة من جميع الأحزاب، عدا الأحزاب اليمينية الدينية المتشددة التي تؤمن بالحق التوراتي التاريخي لليهود في «يهودا والسامرة».

هؤلاء الذين يخشون تداعيات الضم يرون أن «رد فعل القرار على الأمن الداخلي للدولة العبرية سيكون شديد السلبية، وسوف يؤدي إلى تأجيج العنف».

من ناحية أخرى كان موقف السلطة الفلسطينية، برعاية الرئيس محمود عباس أبومازن، له آثاره القوية على تشكيل الضغط الأميركي على «نتنياهو».

رفض «أبومازن» أي حوار أو أي اتصال على أي مستوى مع الإدارة الأميركية أو الإسرائيليين تحت منطق صريح يقول: «وما جدوى الكلام مع مَن ينقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، ويوافق على ضم الجولان، وضم مستوطنات الضفة»؟

وكان «أبومازن» يكرر لزواره مؤخراً أن مثل هذا السلوك الإسرائيلى المدعوم أميركياً سوف يؤدي إلى تفجير مائة ثورة شعبية فلسطينية لن يستطيع أي إنسان، بما فيها السلطة، السيطرة عليها.

رفض «أبومازن» تلقى حصة السلطة من الضرائب التي تحصلها إسرائيل من العمالة والمنتجات الفلسطينية شهرياً.

ورفض «أبومازن» أن يصدر أوامره للشرطة الفلسطينية بمنع أو السيطرة على مظاهرات الشباب الفلسطيني الغاضب على قوات الاحتلال أو سكان المستوطنات الإسرائيلية.

الشارع الفلسطيني لم يتوقف عن الغضب والاحتجاج، متخذاً جميع الأشكال السلمية المشروعة سواء بالتظاهر أو باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو بمخاطبة الجمعيات والهيئات الدولية ذات الصلة.

«نتنياهو» الآن هو المأزوم الأول لأنه يعاني من 3 أمور ضاغطة في آن واحد:

1- التداعيات السياسية والقانونية لاتهامه بالفساد.

2- سوء أداء حكومته في إدارة أزمة فيروس كورونا، وهي موضوع جدل سياسي واضح داخل الكنيست والرأي العام.

3- تربص شريكه في الحكم «بني جانتس» الذي يحتفظ بمقعد في الحكومة الحالية منتظراً دوره للرئاسة بالتبادل طبقاً للاتفاق بينهما بعدما فشل كل فريق في الحصول على النسبة المؤهلة لتشكيل حكومة ائتلاف تحظى بالثقة النيابية.

رغم أن منطقة الشرق الأوسط على حافة التغيير، ورغم أن العرب في أضعف حالاتهم، ورغم أن ملفات الصراعات تنذر بالخطر في اليمن والعراق وسوريا وليبيا ولبنان، ورغم انشغال «بوتين» و«ترامب» بانتخابات الرئاسة وضعف الاتحاد الأوروبي بمشاكله المتباينة، وخسائر العالم كله من تبعات «كورونا»، إلا أن هذا الشعب الفلسطيني الأعزل استطاع أن يرسل رسالة صمود ذكية وقوية في آن واحد.

رحم الله الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات حينما كان يردد دائماً: «لا تستهينوا بنا، فالشعب الفلسطيني هو شعب الجبارين».

الآن، والآن فقط، فهمنا عبارة «أبوعمار» رحمه الله.

 

تصويب:

بسبب خطي الرديء جداً جاء في مقال الأمس ٣ أمور يتعين تصويبها:

٣٤٠٠ سنة قبل الميلاد وليس ٣٤.

الدفعة ١١٤ من الكلية الحربية وليس الدفعة ٩١٤.

وأخيراً، الفريق محمود حجازي وليس الفريق محمد حجازي.

لذا لزم التنويه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.