بقلم محمد السماك – ألمانيا تنتبه: السوريون والأتراك… لا يندمجون

47

بقلم محمد السماك

”اساس ميديا”

يوجد في ألمانيا 6 ملايين مسلم يشكّلون ما نسبته 6 في المئة من مجموع السكان، بينهم حوالي 700 ألف يتحدّرون من أصول تركية.

لم ينتقل الأتراك إلى ألمانيا مهاجرين. فقد استُقدموا إليها بدعوة مفتوحة من السلطات الألمانية في الستينيّات من القرن العشرين، وكان الهدف من استقدامهم تعويض النقص في اليد العاملة بعد الحرب العالمية الثانية التي قضت على نسبة عالية من الشبان الألمان على جبهات القتال.

وعندما اتّخذت مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل قرارها باستقبال مليون مهاجر من سورية، كان القرار يعكس الحاجة المستمرّة في ألمانيا إلى اليد العاملة الماهرة. فالاقتصاد الألماني ينمو بوتيرة أسرع من نموّ عدد السكان. وتعترف ألمانيا (مثل اليابان) بأنّ المجتمع يشيخ، وأنّ تقاعد العاملين يُلقي على الدولة أعباء التعويضات الاجتماعية والصحّية. أمّا الأعباء الأصعب فتتمثّل في الافتقار إلى اليد العاملة الشابّة.

وجدت المستشارة ميركل في المهاجرين ضالّتها المنشودة. إلا أنّها اصطدمت بالأزمة القديمة التي بدأت مع المستقدَمين الأتراك. وتتمثّل تلك الأزمة في تعذّر تذويب المستقدَمين بالأمس والمهاجرين اليوم في المجتمع الألماني، فأدّى ذلك إلى قيام مجتمعٍ موازٍ. وهو ما فجّر الأزمة الاجتماعية – السياسية التي دفعت المستشارة ميركل ثمنها غالياً وما تزال حتى بعد تقاعدها.

تعكس هذه الأزمةَ المستمرّة دراسةٌ أجرتها «مؤسّسة البحث العلمي» في جامعة «مونستر» الألمانية. تقول الدراسة إنّ 47 في المئة من الأتراك في ألمانيا يقولون إنّهم يحترمون التعاليم الدينية أكثر من احترامهم لقوانين الدولة الألمانية التي يعيشون في كنفها ويحملون جنسيّتها. حتى إنّ 32 في المئة منهم يعتقدون أنّ من الأفضل اعتماد نظام اجتماعي إسلامي على غرار النظام الذي وضعه الرسول محمّد عليه السلام، وإنّ 50 في المئة منهم يؤمنون بأنّه لا يوجد إلا دين واحد صحيح، وأنّ هذا الدين هو الإسلام.

يختلف الأمر الآن مع المهاجرين إلى ألمانيا من الأوكرانيين (الكاثوليك منهم والأرثوذكس). لم يرتفع صوت ألماني معارض لهجرتهم، بل كان هناك تنافس بين الأحزاب والجمعيات على حسن استقبالهم ومساعدتهم. لا توجد هنا مشكلة اجتماعية وثقافية أو دينية تحول دون الاندماج. هناك فقط مشكلة سياسية تتعلّق بأثر الهجرة على مستقبل الدولة الأوكرانية.

في دولة علمانية مثل ألمانيا تشكّل القوانين المدنية التي تقرّها الدولة مصدرَ السلطة وأساس الشرعية. إلا أنّ ثقافة المهاجرين وحتى المستقدَمين من المسلمين الأتراك، الذين أصبحوا مواطنين، تقوم على الإيمان بشيء آخر مختلف تماماً. هذا الشيء المختلف لا مكان له عند المهاجرين الأوكرانيّين.

وممّا يزيد من مشاعر القلق لدى الألمان أنّه عندما أجرت تركيا الاستفتاء على الدستور الجديد، حرص الأتراك الألمان (الذين ما يزالون يحتفظون بجنسيّتهم الأمّ التركية) على المشاركة في الاستفتاء، وصوّت 63 في المئة منهم لمبدأ تجميع مفاصل السلطة بيد الرئيس (رجب طيب إردوغان). وكانت علاقات ألمانيا بالرئيس التركي تمرّ في مرحلة توتّر واضطراب.

من هنا كان السؤال:

لماذا لم تؤثّر ثقافة الديمقراطية الألمانية في خيارات الأتراك – الألمان؟ وهل يشير ذلك إلى عدم انسجامهم مع المجتمع الألماني الذي يشكّلون الآن جزءاً منه؟ ثمّ هل المسلمون (سواء منهم الذين يتحدّرون من أصول تركية، أو من المهاجرين الجدد) عَصِيّون على تقبّل الديمقراطية الغربية أساساً لتنظيم الحياة العامّة؟

يتجسّد القلق الذي يعكسه هذا السؤال في عدّة مظاهر، منها ظاهرة الإسلاموفوبيا (كراهية المسلمين)، وظاهرة التطرّف الرافض للغرباء إذا كانوا من أجناس وأديان وثقافات مختلفة.

رفع وزير الداخلية الألماني السابق هورست سهوفار شعاراً قال فيه: «الإسلام ليس ألمانيا.. ولا يمتّ بصلة إلى الثقافة الألمانية».

تصدّى لهذا الشعار العنصري مفكّرون وسياسيون ورجال دين ألمان من الكاثوليك ومن الإنجيليّين على حدٍّ سواء، وأبدوا قلقهم من أن يؤدّي إلى ردّ فعل سلبيّ، ودعوا إلى إفساح المجال أمام الإسلام ليأخذ موقعه في المجتمع الألماني باعتبار ذلك مظهراً من مظاهر التعدّد. ولعلّ هجرة الأوكرانيين الأرثوذكس تساعد الآن على ذلك.

في الواقع يتمحور الصراع في ألمانيا، ببعدَيْه الاجتماعي والسياسي، حول الدين والعلمانية، وحول اليسار واليمين. ولكلّ توجّه مقاربة مختلفة. ويقع المسلمون الألمان (أو المسلمون في ألمانيا) بين فكّي هذا الصراع.

 

ألمانيا أفضل من غيرها

مع ذلك تبدو ألمانيا أكثر تسامحاً مع المسلمين من بولندة مثلاً التي ترفض الاعتراف بالمسلمين أو بالإسلام، أو من هنغاريا التي ترفض من حيث المبدأ دخول المهاجرين غير الأوكرانيين إليها.

تلتقي حركات التطرّف المعادية للمسلمين في ألمانيا مع حركات مماثلة في فرنسا وهولندة وحتى في إيطاليا. وبدأت هذه الحركات تجد أيضاً طريقها إلى السلطة، الأمر الذي من شأنه أن يغيّر من طبيعة الأنظمة السياسية في دول الاتحاد الأوروبي، واستطراداً من طبيعة علاقات هذه الدول مع المسلمين من أبناء البلاد، كما كشفت أخيراً الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في فرنسا.

تدرك الدول الأوروبية أنّ المسلمين الأوروبيين لن يغادروا أوروبا، وأنّهم في الوقت ذاته لن يتخلّوا عن عقيدتهم. وتدرك أيضاً أنّ تجربة الإقصاء أدّت إلى نتائج وردّات فعل سلبية اجتماعية وأمنيّة خطيرة. لذلك يكون الحلّ بابتداع صيغة تعدّدية توفّق بين الولاء الوطني والإيمان الديني في ظلّ النظام الديمقراطي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.