بقلم محمد السماك – القدس: هل فات الأوان؟

32

في مثل هذا الوقت قبل 21 عاماً (27-9-2000) ارتكبت إسرائيل أوّل انتهاك لحرمة المسجد الأقصى، وذلك عندما قام وزير الدفاع أرييل شارون على رأس جماعة من المتطرّفين الصهاينة باقتحام المسجد، فكانت الانتفاضة الفلسطينية التي حملت اسم “انتفاضة الأقصى”.

توالت بعد ذلك الانتهاكات الإسرائيلية. وتوالت المؤتمرات الإسلامية (منظّمة التعاون الإسلامي) المندِّدة. وتوالت بينهما الاحتجاجات والمسيرات والتظاهرات الفلسطينية.. لكن من دون أن يغيِّر ذلك من واقع الأمر شيئاً. فإسرائيل تمضي قُدُماً في مخطّط تهويد المدينة المقدّسة. ولا يقتصر ذلك على انتهاك حرمة المقدّسات فقط، بل يستهدف في الدرجة الأولى الوجود الإنساني، الإسلامي والمسيحي. وهذا ما يفسّر تهديم بيوت الفلسطينيين المقدسيّين لحملهم على مغادرة القدس والهجرة منها إلى أيّ مكان في الضفة الغربية أو خارجها.

القدس اليوم في وضع أسوأ كثيراً ممّا كانت عليه في عام 2006. وغداً ستكون أسوأ من اليوم مع استمرار غياب الإرادة العربية للتصدّي عمليّاً للتهويد والتنقيب في الكيان الإسرائيلي التوسّعي.

 

“لا قدس بدون الهيكل”؟

منذ بدايات المشروع الصهيوني في فلسطين رفع أوّل رئيس حكومة لإسرائيل، ديفيد بن غوريون، شعاراً قال فيه: “لا إسرائيل بدون القدس، ولا قدس بدون الهيكل”.

ومنذ أن أقرّت إسرائيل في عهد رئيس الحكومة السابق بنيامين نتانياهو مبدأ “يهوديّة الدولة”، ألغت إسرائيل الأديان الأخرى وأهلها بشحطة قلم. ذلك أنّ هذا المبدأ يحصر حقّ المواطنة باليهوديّ فقط. ويسقط هذا الحقّ عن المؤمن بأيّ عقيدة أخرى، وبخاصّة عن المسلم وعن المسيحيّ.. وحتى عن اللادينيّ.

أخطر ما تواجهه القدس (والمقدّسات الإسلامية والمسيحية فيها) هو التعامل مع اقتحام المسجد الأقصى المتواصل على أنّه مجرّد أحداث عابرة.

حاولت الأمم المتّحدة وضع حدّ لهذه الانتهاكات من خلال سلسلة من القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن الدولي، بدءاً بالقرار 242، (22 تشرين الثاني 1967) الذي أدان حيازة الأراضي بالقوّة وطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية منها، وأكّد حرمة الأراضي والاستقلال السياسي لكلّ دول المنطقة. فردّت إسرائيل بإقامة عرض عسكري في القدس، فردّ مجلس الأمن بإبداء الأسف! (القرار 251).

وعلى الرغم من أنّ المجلس أكّد بعد ذلك (القرار 252) عدم شرعيّة المصادرات الإسرائيلية للأراضي والعقارات الفلسطينية (الهادفة إلى تغيير وضع القدس)، فإنّ إسرائيل ردّت على طلب وقف هذه الإجراءات بتوسيعها، ومضت قُدُماً في المصادرة والتوسعة، فأصدر مجلس الأمن القرار 267 الذي نصّ على رفض كلّ الإجراءات التي تتّخذها إسرائيل لتغيير وضع القدس.

وذهب المجلس أبعد من القدس ليعلن (القرار 446) أن “لا شرعية قانونية للمستوطنات اليهودية في القدس والضفة الغربية المحتلّتيْن”.

مع ذلك كان خاطئاً وساذجاً الاعتقاد بأنّ إسرائيل سوف تقف عند هذا الحدّ. فتهويد المدينة ليس عملاً سياسياً توسّعيّاً، بل هو حاجة دينية تمهِّد لقدوم المسيح الذي ينتظره اليهود بموجب عقيدتهم. ويتلاقى هذا الاعتقاد مع اعتقاد الحركة المسيحانية الصهيونية في الولايات المتحدة التي تؤمن بالعودة الثانية للمسيح، وأنّ من مستلزمات هذه العودة قيام إسرائيل وتهويد القدس وبناء الهيكل اليهودي الذي يعلن المسيح العائد عن نفسه من داخله كما فعل في المرّة الأولى (التي ينكرها اليهود).

لم يكن إقرار الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي قانون “يهوديّة الدولة” إجراءً سياسياً شكليّاً، بل هو تعبير إيماني عن أسباب وجود إسرائيل في الدرجة الأولى. فيهوديّة الدولة وتهويد القدس يتكاملان في إطار نظرية دينية إيمانية واحدة، غير قابلة للمساومات السياسية لا مع السلطة الفلسطينية، ولا مع الدول العربية، ولا مع مجلس الأمن الدولي.

 

أين الاستراتيجية الإسلامية؟

منذ أكثر من ثلاثة عقود قرّرت “منظمة التعاون الإسلامي” في مؤتمر عُقِد في مدينة الطائف بالمملكة العربية السعودية على مستوى القمّة، وضع “استراتيجية إسلامية” لتحرير القدس، وعُهِد يومها إلى ملك المغرب الحسن الثاني رئاسة هذه اللجنة. توفّي الملك ولم تظهر الاستراتيجية الإسلامية بعد. وقد يظهر المسيح العائد قبل أن تظهر معالمها!

في عام 2006 صدر لي كتاب عنوانه “القدس قبل فوات الأوان”. وأثناء مناقشة الكتاب في ندوة علمية عُقِدت في جامعة القاهرة، تعرّض عنوان الكتاب وليس مضمونه للانتقاد لأنّه يعكس رؤية تشاؤمية. وجاء الانتقاد يومها على لسان الدكتور طارق البشري والدكتور محمد سليم العوا. ولكنّ الوقائع أثبتت، مع الأسف الشديد، أنّها كانت رؤية واقعية.

فالقدس اليوم في وضع أسوأ كثيراً ممّا كانت عليه في عام 2006. وغداً ستكون أسوأ من اليوم مع استمرار غياب الإرادة العربية للتصدّي عمليّاً للتهويد والتنقيب في الكيان الإسرائيلي التوسّعي.

نظرة واقعية إلى حالة الانقسام الفلسطيني (بين غزّة والضفة الغربية)، والانقسام المغاربي (بين المغرب والجزائر، وانشغال تونس بأوضاعها الداخلية وتعثّر محاولات إعادة ترميم ليبيا)، ونظرة واقعية إلى المواجهة العربية – الإيرانية في الخليج، واستمرار انفجار القنابل الداعشية الموقوتة في سوريا والعراق، وحتى في سيناء، وفشل دولة العيش المشترك في لبنان، تجعلنا نرى كلّ هذه المظاهر السلبية التي لا تصنع إيجابيّة في مستوى التصدّي لمخطّط تهويد القدس وتحريرها.

تبقى الآمال معقودةً على صمود أهل القدس بالصدور المقدسيّة العارية في وجه الآلة العسكرية العاتية.. حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

‫عن “أساس‫ ميديا”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.