بقلم: محمد السماك – القرار الاسرائيلي بين العسكر والسياسة

29

من يسيطر على القرار السياسي في اسرائيل؟ الجيش أو الحكومة؟ .. وبالتالي من المسؤول عن تعثر كل محاولات التسويات السياسية مع الفلسطينيين ومع الدول العربية الأخرى .. القوات المسلحة المهيمنة أو الأحزاب السياسية الحاكمة؟.

تضيء الوقائع التالية على الإجابة على هذا السؤال ، وفي هذا الوقت بالذات الذي تدخل فيه مساعي التسوية مرحلة جديدة ؛

أولاً : في عام 1954 كان يترأس الحكومة الاسرائيلية موشي شاريت . وكان على رأس الدولة المصرية جمال عبد الناصر . في ذلك الوقت قامت الولايات المتحدة وبريطانيا بفتح ممر ديبلوماسي غير مباشر للتفاوض من أجل تسوية القضية الفلسطينية. كان شاريت موافقاً ومتحمساً. غير ان القوات الاسرائيلية المسلحة كان لها رأي آخر. فقد قامت هذه القوات بأعمال تخريبية في القاهرة بواسطة عملاء لها، استهدفت مصالح أميركية وبريطانية، لاتهام المصريين بارتكابها بهدف ضرب العلاقات المصرية – الأميركية، وبالتالي تعطيل محاولات التسوية. ولقد تعطلت فعلاً.

ثانياً: في عام 1967 قررت المؤسسة العسكرية الاسرائيلية شن حرب على مصر وسورية –(حرب يونيو). كان رئيس الحكومة في ذلك الوقت ليفي اشكول. وكان معارضاً لشنّ الحرب. فما كان من القوات المسلحة الا ان احتجزته في قبوٍ تحت الأرض الى ان استسلم لإرادتها ووافق على الحرب . وقد تمكنت اسرائيل بهذا العدوان المبيّت من احتلال سيناء والضفة الغربية بما فيها القدس، ومرتفعات الجولان بما في جبل الشيخ.

ثالثاً: في عام 2010 كان رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو –الرئيس الحالي ايضاً- وكانت اسرائيل تخوض معركة انتخابات عامة –كما هو الوضع الحالي أيضاً- ولتعزيز شعبيته، قرّر نتانياهو توجيه ضربة عسكرية الى المفاعل النووي الإيراني من دون الرجوع حتى الى مجلس الوزراء الاسرائيلي الموسع أو المصغر . يومها عارض القرار كل من قائد الجيش الاسرائيلي الجنرال غابي اشكانازي، ورئيس جهاز المخابرات الشين بيت يوفال ديسكن؛ ولم تكن معارضتهما دفاعاً عن إيران، ولكن رفضاً لاستغلال نتانياهو عملية توجيه الضربة سياسياً وشعبياً في الانتخابات الاسرائيلية؛ وكان لهما ما أرادا .

رابعاً: وطوال فترة رئاسة –أو رئاسات- نتانياهو للحكومات الاسرائيلية، كان في حالة صراع مع المؤسسات الأمنية حول الموقف من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بصورة خاصة، وحول الموقف من فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة بصورة عامة.

بالنسبة للرئيس عباس، كان نتانياهو يتهمه بأنه «يشجع على الارهاب». وخلافاً لذلك كانت أجهزة المخابرات العسكرية الشين بيت تعتبره مفاوضاً صالحاً لتحقيق التسوية.

وبالنسبة لفلسطينيي الضفة كان نتانياهو –ولا يزال- يطالب بإبعاد من يُتهَم (؟) بعمل ارهابي الى خارج الضفة هم وعائلاتهم ؛ غير ان أجهزة المخابرات كانت تعارض هذا الإجراء لانه يؤدي الى نتائج عكسية تسيء الى سمعة اسرائيل في العالم. ولقد فرضت هذه الأجهزة اجتهادها عليه. واضطر الى الموافقة على مضض، خاصة بعدما أصدر المدعي العام مطالعة اعتبر فيها ان إجراء الإبعاد غير قانوني.

خامساً: في عام 2014 طلب نتانياهو من قائد الجيش الاسرائيلي ومن رئيس أركانه قصف غزة بلا هوادة. نفذ الجيش الأوامر، وتعرضت غزة الى أكبر نكبة انسانية تدميرية. يومها عارض القرار بالقصف كل من جهاز الموساد والشين بيت. وحذر قادة الجهازين من النتائج السلبية لهذا العمل . لم يأبه نتانياهو ، فقد كان قائد الجيش مطواعاً له، وكان يشاركه كراهية الفلسطينيين والحقد عليهم . فكانت المجزرة .. التي الصقت باسرائيل وصمة عار لا تمحى، أدانتها الأمم المتحدة، بما في ذلك مجلس الأمن الدولي .

سادساً: لأول مرة منذ قيام اسرائيل في عام 1948 جرى التخطيط لانقلاب عسكري ضد حكومة يترأسها نتانياهو. كان ذلك في العام الذي عيّن فيه نتانياهو، ليبرمان لأول مرة وزيراً للدفاع . كان ليبرمان يعارض مثلاً محاكمة مرتكبي الجرائم الجماعية من اليهود (جريمة الحرم الابراهيمي في مدينة نابلس التي ارتكبها ايلور ازاريا) ، وذلك لمجرد انه يهودي ولأنه فعل ما فعل انطلاقاً من إيمانه وتعبيراً عن هذا الإيمان .

كما انه كان يدعو لوضع مخطط لقصف سدّ أسوان اذا وجدت اسرائيل نفسها في حالة حرب مع مصر. ولقد تولى ليبرمان وزارة الدفاع بالفعل. وهو الآن يتزعم حزباً سياسياً معارضاً لنتانياهو نفسه، لانه يعتبره «متسامحاً أكثر مما تتحمله المعادلة الاسرائيلية»!.

في 24 مارس من عام 2014 قام شاب فلسطيني بطعن جندي اسرائيلي. اصيب الجندي بجراح، ولكن القوات الاسرائيلية اعتقلت الشاب الفلسطيني وقتلته بدم بارد. أثارت جريمة القتل يومها ردود فعل حتى داخل المؤسسة العسكرية الاسرائيلية بين معارض ومبرِر. كان نتانياهو أكثر المؤيدين حماساً . وكان رئيس أركان الجيش الجنرال يائير غولن أكثر المعارضين تشدداً ، حتى انه أدلى بتصريح قال فيه :» ان اسرائيل اليوم اشبه ما تكون بألمانيا في الثلاثينات من القرن العشرين». (في عهد نازية هتلر).

ندد نتانياهو بتصريح رئيس الأركان واعتبره مهيناً لاسرائيل ولجيشها . ولكن ما قيل قد قيل . اليوم يقضي الجنرال بقية عمره متقاعداً في منزله .. ويواصل نتانياهو رئاسة الحكومة !!.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.