بقلم محمد السماك – اليابان عائدة: تسليح وقلق من الصين..

22

خرجت اليابـان مـن الحرب العالميـة الثانيـة مدمّرة ومهزومة. يتمثّل التدمير في الكارثة التي حلّت بها جرّاء إلقاء أوّل قنبلتين نوويّتين في تاريخ الإنسانية على مدينتَــــيْ هيـروشيمـا وناكازاكي. وتتمثّل الهزيمة في وثيقة الاستسلام التي كرّسها الدستور الياباني الذي اعتُمد بعد الحرب ونتيجة لها. ففي المادّة التاسعة من الدستور نصٌّ يمنع اليابان ذاتيّاً وتحت المراقبة الدولية من امتلاك قوّة عسكرية هجومية من أيّ نوع. ولكنّ اليابان الآن تملك أسطولاً بحريّاً ضخماً. يتألّف هذا الأسطول من 18 غوّاصة و43 مدمّرة و25 كاسحة ألغام، إضافة إلى عدد آخر من السفن الحربية المرافقة والناقلة، بما فيها حاملات طائرات هليكوبتر، وهو ما يجعل الأسطول البحريّ الياباني الثاني في آسيا وأحد أكبر الأساطيل العسكرية البحرية في العالم. وتعزّز اليابان من قوّة أسطولها البحري باستمرار كمّاً ونوعاً. إضافة إلى ذلك استحدثت اليابان أسطولاً جوّيّاً حديثاً أيضاً يضمّ أسراباً من طائرات «إف 15»، بينها 300 طائرة مقاتلة. ويبلغ عدد أعضاء القوّة الجوّيّة اليابانية 50 ألفاً بين طيّار ومهندس.

من هنا السؤال: لماذا تعزّز اليابان قوّتها العسكرية؟

للإجابة على هذا السؤال لا بدّ من مقارنة اليابان بألمانيا. فالدولتان خسرتا الحرب العالمية الثانية، وفُرِضت عليهما إجراءات لمنع التسلّح أو على الأقلّ لتخفيف مستواه ولإبقائه في مستوى منخفض لا يتجاوز الحدّ الأدنى من الحاجة إلى الدفاع عن النفس.

عانت الدولتان خلال الحرب من تدمير شبه كلّيّ. فإضافة إلى الكارثة النوويّة، تعرّضت مدن اليابان، وخاصّة العاصمة طوكيو، للتدمير الشامل بسبب قصف الطائرات الأميركية. في يوم واحد أدّى حريق في العاصمة اليابانية، حيث الكثافة السكّانية واليد العاملة، نتيجة قصف الطائرات الأميركية، إلى مقتل مئة ألف ياباني. أدّت الكارثة والهزيمة معاً اللتان حلّتا باليابان إلى انقلاب الرأي العامّ على العسكريتاريا التي كانت تمسك بزمام الأمور في الدولة من وراء ظهر الإمبراطور. فقد أثبتت الخسائر المادّية والبشرية أنّ الرهان على التوسّع العسكري هو رهان خاسر. ولذلك اعتُبر الإنفاق على التسلّح مضيعة للمال وللجهد، ويستعدي دول الجوار، القريب منها والبعيد، فكان التخلّي الطوعيّ عن التسلّح الذي نصّ عليه الدستور في مادّته التاسعة.

 

متغيرات في الرأي العام

غير أنّ الوضع الآن يشير إلى حدوث متغيّرات باتّجاه معاكس يجد صداه في الموقف الياباني. وتتجاوز هذه المتغيّرات الرأي العامّ المحلّي لترسم علامات استفهام كبيرة في الدول الآسيوية الأخرى التي سبق لها أن عانت كثيراً من العسكريتاريا اليابانية أثناء الحرب العالمية الثانية وقبلها.

وتلقى هذه المتغيّرات صدىً إيجابياً، بل حماسيّاً لدى الرأي العامّ الياباني. من هنا السؤال: لماذا؟

للإجابة على هذا السؤال لا بدّ من تسجيل الملاحظات الآتية:

ارتفاع حدّة المشاعر الوطنية، وهو ارتفاع يترافق مع تضخّم القوّة العسكرية الصينية في البرّ والبحر والجوّ. إذ يسيطر الصينيون اليوم على بحر الصين الجنوبي والشرقي بمثل سيطرة الولايات المتحدة على بحر الكاريبي.

تمكّن الصينيون حتى من صناعة جزر في البحر الصيني وتحويلها إلى قواعد عسكرية بحريّة وجويّة. وتنظر اليابان بقلق شديد إلى هذه التطوّرات ليس فقط على خلفيّة فقدان الثقة بين بكين وطوكيو، إنّما على خلفيّة اختلاف العاصمتين حول موضوع السيادة على عدد من الجزر الصخرية غير المأهولة في بحر الصين الجنوبي.

هذا وتعتمد الصين على الطرق البحرية لاستيراد حاجتها من الغاز والنفط ومن الموادّ الخام الأخرى. وتحتاج إلى هذه الطرق لتصدير منتجاتها الصناعية إلى العالم. وبموجب التحوّلات التي فرضتها الصين وجعلتها أمراً واقعاً، فإنّ هذه الطرق قد تصبح، ولعلّها أصبحت فعلاً، «طرقاً حريريّة» آمنة.

 

الخوف من الصين

وبينما تتراجع العلاقات الصينية – الأميركية بسبب الخلافات الاقتصادية، فإنّ اليابان، حليف الولايات المتحدة، تشعر بخطر استدراجها إلى هذا الصراع الذي يُخشى أن يأخذ أبعاداً أشدّ خطورة في المستقبل. ثمّة عامل كوريا الشمالية التي أصبحت تملك ترسانة صاروخية بعيدة المدى تحمل رؤوساً نووية. لقد فشلت الولايات المتحدة في ليّ ذراع كوريا الشمالية، وفشلت في احتوائها، وهو ما يشير إلى إمكانات قيام تحالف صيني – كوري شمالي في مواجهة التحالف الأميركي – الياباني – الكوري الجنوبي.

من هنا خطورة انفجار القنبلة الموقوتة تايوان التي تعتبرها الصين جزءاً منها، والتي تحاول الولايات المتحدة أن تجعل منها شوكة أميركية في الخاصرة الصينية. ولذلك انفجار الوضع هناك، مهما كان محدوداً، قابلٌ للانتشار والتوسّع وأن ينكأ الجراح التي لم تندمل بين دول الشرق الأقصى.

عن «أساس ميديا»

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.