بقلم مروان اسكندر – لبنانيون وشرق أوسطيون أنعشوا لبنان

64

لقد درجنا على التعريف برجال أعمال أسهموا في نهضة لبنان وتنوع نشاطاته منذ الخمسينات وحتى أواسط الثمانينات، واليوم نراجع سيرة خمس شخصيات من فئة المبدعين والمساهمين في تنوع نشاطات لبنان وإفساح فرص العمل في مختلف الحقول.

مرشد بعقليني كان رجلاً مديد القامة تبدو على ملامحه مظاهر القوة والتصميم، وكان يعمل في مجال العقود على تأمين المياه في لبنان، ومن ثم توجه إلى دبي عند بداية تفجر فرص العمل فيها، وقد نجح في إقناع السلطات بقدرته على إنجاز شبكة توزيع مياه على العاصمة، رغم سرعة تطوير البناء وتنوعها ما بين الشقق السكنية، والمكاتب، والفنادق والمدارس إلخ.

بعد نجاحه الملحوظ وقدرته على تسويق شركة المياه لقاء مبلغ كبير، عاد إلى لبنان وركز على إنجاز مصنع لتعبئة مياه الشرب، وأسس مصرفاً باسم متروبوليتان بنك، وتملك عقارات ملحوظة المساحة على أوتوستراد الشمال ومبنى لإنجاز مكاتب المصرف، وعمل على إنجاز مسكنين للعائلة أحدهما بالحجر الأصفر في المنطقة التي تمتد ما بين طريق البحر ومشارف مشروع الرابية، وكما يفعل اللبنانيون أقدم على إنجاز فيلا بالحجر الأبيض في ضهور بكفيا واستجلب أفضل أنواع الرخام من أجل إنجاز ردهات الفيلا.

أكبر استثماراته كان إقباله على مشاركة البطريركية المارونية في تملك نسبة لا بأس بها من شركة الترابة اللبنانية، التي كان الفريق السويسري يملك ثاني أكبر نسبة من أسهمها ويتولى عمليات الإنتاج والتسويق. وشاء مرشد بعقليني أن يوسع ملكيته في الشركة، وفي إدارتها، فلم يتمكن من ذلك لأن السويسريين كانوا يريدون المحافظة على مركزهم المميز في الإدارة والملكية، وهكذا كان.

بعد محاولته تشجيع أولاده على تولي مسؤوليات في البنك، أو معمل تعبئة المياه، أو قيادة شركة الاسمنت من دون ان يحقق مبتغاه، قرر الاعتزال تدريجياً، فباع البنك لمجموعة أجنبية بريطانية والمالكون الجدد بدورهم وبعدما عجزوا عن توسيع أعمال المصرف ما لبثوا أن ابتعدوا عن هذه المهمة، وتخلوا عن الملكية لبنك أُسس خلال السنوات القليلة المنصرمة، أي «سيدروس بنك»، والذي أشرف على إطلاقه شابان عملا في المجال المصرفي الاستثماري في المملكة العربية السعودية، وقد غاب عنا مرشد منذ سنوات قليلة.

رالف بستاني والسيدة زوجة المؤسس المربي والنائب ومثال الأخلاق الحميدة شارل سعد، وزوجته ما زالت تُمارس نشاطاً في تطوير مدرسة الشويفات في مختلف بقاع العالم.

مدرسة الشويفات فتحت أبوابها للفتيات أولاً ومن ثم الذكور، ومنذ أوائل نشاطها في العشرينات كانت مدرسة الشويفات الدولية تستقبل اللبنانيين والتلامذة العرب من دون تفريق، وهنالك صور فوتوغرافية لتخريج التلامذة بالشهادة الثانوية تشمل الشبان والفتيات معاً، ولم تكن تظهر مؤشرات التزمت على أزياء الفتيات.

عام 1982 كانت مدرسة الشويفات من أنجح المدارس الثانوية في لبنان، لكن الاجتياح الإسرائيلي للبنان صيف ذلك العام، واستمرار تواجد الجنود الإسرائيليين في المنطقة لأشهر، دفع أصحابها، وكان شارل سعد قد غاب بعد أن مهد لاستمرار الجهود  البناءة بالتعاقد مع رالف بستاني، إلى تفحص إمكانات التوسع خارجياً.

اعتمد رالف بستاني والسيدة سعد على تبني مناهج التعليم الحديثة المتبعة في العالم وأسسوا مدارس تابعة لمدرسة الشويفات، في الخليج وفي بريطانيا وفرنسا ومصر، وتوصلوا إلى التعاقد مع عدد من الولايات في الولايات المتحدة لإدارة مدارس تنشأ من الولايات المتحدة، ومن ثم تسلم لشركات التربية المتميزة، وهنالك عدد من هذه المدارس بقيادة مدرسة الشويفات الدولية. ولعل أفضل دليل على نجاح هذه المؤسسة التعليمية المميزة، التي استطاعت التوسع خارج لبنان إلى حد يتجاوز نجاحها المشهود في لبنان، أن سلطات البنك المركزي الأوروبي توجهت إلى تأسيس مدرسة ثانوية لأبناء موظفيها في ألمانيا، وأعلنوا عن استعداداهم لتمويل إنشاء هكذا مدرسة وتغطية أكلافها وقد تقدمت مدرسة الشويفات الدولية بعرض تميز عن العروض الأخرى الأوروبية، فأراد المعنيون في البنك المركزي الأوروبي التأكد من قدرة مدرسة الشويفات الدولية، فأعلنوا عن مسابقة ثانية لاتخاذ قرار نهائي فكانت النتيجة فوز مدرسة الشويفات بالعقد، ولا يمكن حصر نجاحات مدرسة الشويفات.. لقد أصبحت هذه المؤسسة التعليمية والثقافية، التي تقر وتنفذ برامج متقدمة، أكبر مؤسسة لبنانية تعمل على نطاق دولي فأصبح عدد تلامذتها يفوق الـ90 ألف تلميذ، وتأثيرها يطال مختلف بقاع الأرض وأربع قارات من القارات الخمس.

بالإمكان التأكيد أن مستويات مدرسة الشويفات الدولية بلغت مستوى يصعب مقارنته بأي مؤسسة متقدمة في البلدان المتطورة، كما في بلدان الشرق الاوسط. ولا نعلم عن أي مؤسسة لبنانية توصلت إلى نجاح كهذا النجاح، الذي يبرهن على قدرات اللبنانيين ومعارفهم وخدماتهم المميزة على نطاق دولي.

آمال حوراني تميز بقدراته العملية في مجال الإنشاءات في أبو ظبي وبعد تحقيقه إنجازات ملحوظة ركز على إنشاء شركة فندقية ذات مستويات دولية، وقد توصل بسبب نجاحه وسمعته الطيبة إلى استقطاب مستثمرين لإطلاق سلسلة فنادق «الروتانا»  التي تدير عدداً ملحوظاً من الفنادق بخدماتها وتسهيلاتها في منطقة الشرق الأوسط، وبعد تأكده من نجاح أعمال هذه الشركة، عاد إلى لبنان للاستمتاع بسنوات من المساهمة في تطوير بلدته وبلده لبنان، وكان هو المشرف على إنجاز فندق «روتانا» في منطقة مبنى «الجفينور» الذي شُيد على موقع السفارة الأميركية سابقاً. وقد أشار آمال على شركائه بإنجاز مبنى للإقامة الطويلة وتأمين الخدمات المريحة، وذلك لترسيخ دور «الروتانا» في العمل الفندقي وتأمين الراحة لمن يطلبون هذه الخدمة بعد العمل طويلاً في البلدان العربية أو غيرها.

ومن ثم توجه إلى العمل الاجتماعي والخدمات التي تسهل العيش باطمئنان في لبنان فتولى رئاسة مجلس بلدته الساحلية الجميلة، وانكب على تأمين الخدمات الرئيسية كالكهرباء، والمياه وخدمات النظافة.

وعلى نطاق ربما يفوق أهمية كل إنجازاته، اختار رعاية مدرسة ثانوية مشهورة بالإسهام في إدارتها ومساعدة طلابها المحتاجين، وهو كما زوجته من الناشطين في الخدمة العامة والملتزمين الهدوء العائلي.

فؤاد حمزة شخصية فريدة في نجاحه وتوجهاته، وقلما يتذكر اللبنانيون أنه كان اللبناني الذي بلغ من شأنه أنه طُلب منه من قبل السعوديين  الإسهام في التوقيع على وثيقة إطلاق اسم المملكة العربية السعودية، فكيف لهذا الرجل أن يكون على هذا المستوى من التقدير من جانب مؤسسي المملكة؟

لقد اختار في بداية حياته المهنية مهنة التعليم، وبالمناسبة ابنه عمر الذي أسهم في حفظ كتب والده هو الآخر مارس التعليم في الجامعة الأميركية بعد تخرجه من أوكسفورد.

لقد كافح فؤاد حمزة إلى حد بعيد حيث مارس التدريس في سوريا والأردن وكان عروبياً فواجه مناخ التصدي للعروبيين، وانطلق إلى السعودية حيث حقق اندماجاً مع برامج الملك عبد العزيز، وكان قد حصل على شهادة الحقوق من مدرسة معروفة في حيفا.

إضافة إلى توليه أعمالاً إدارية وتنظيمية في السعودية برعاية الملك عبد العزيز آل سعود الذي هو الملك السعودي الذي فاوض الرئيس الأميركي حول شروط عمل الشركة الأميركية المعنية في البحث عن النفط وتطويره، وكان في حينه الملك الأول المؤسس للمملكة العربية السعودية والذي تولى مقاليد الحكم بتاريخ 8 يناير عام 1930 ميلادية.

وضع فؤاد حمزة كتاباً يبحث في ثمانية فصول التاريخ الحديث للمملكة ومواجهة تحديات تأسيس الدولة التي تغطي مساحة 450 ألف ميل مربع – مقابل 10452 كيلومتراً مربعاً – مساحة لبنان – والفصل الأول من الفصول الثمانية يشرح الشؤون الإدارية الحاضرة في المملكة التي اكتسبت اسمها الجديد، وكان لفؤاد حمزة شرف الإسهام في التوقيع على شهادة الاسم الجديد.

إن كتاب فؤاد حمزة يوفر التفاصيل حول المملكة وأجزائها، ما يتجاوز الكتب المشهورة كالتي كتبها سنت جون فيليبي أي والد الجاسوس البريطاني المشهور الذي أنقذه السوفيات بإرسال غواصة مقابل بيروت لنقله إلى سوريا، حيث توفي بعد حياة طويلة. وكتاب فؤاد حمزة يتجاوز محاولة المستشرق لويس موريل الذي بذل جهداً كبيراً في سبيل التعريف بخصائص المملكة العربية الجغرافية والمناخية والقبائل التي تعيش فيها.

كتاب فؤاد حمزة المنجز بالقطع الكبيرة على 367 صفحة يشمل أيضاً ملحقاً يتضمن نتائج رحلة مستر فيلبي في الربع الخالي، وفهرس الأعلام يسرد على 54 صفحة، وقد أنجز الكتاب عام 1933 في طبعته الأولى، والطبعة الثانية صدرت عام 1968، والطبعة الثالثة عام 2001. ولسوء الحظ صدرت الطبعتان الثانية والثالثة بعد وفاة فؤاد حمزة عام 1951 عن عمر لا يزيد على 52 سنة.

ورغم انغماسه في شؤون المملكة ومواجهتها أخطاراً عديدة خلال حياته بعد بدء توليه مسؤوليات إدارية ملحوظة استطاع إنجاز فيلا في بيروت مقابل مدرسة الكوليج بروتستانت، وأنجز فيلا على موقع فريد في ما يسمى بطريق صوفر الداخلية، والتي تحتوي على منازل وفيلات فخمة كانت مقصداً لاصطياف اللبنانيين العاملين خصوصاً في البلدان العربية.

بالتأكيد لكل من يبحث في تاريخ المملكة العربية السعودية (الذي يبدو أنه على تحول سريع نحو الانفتاح وإدخال الإناث في مختلف مجالات النشاطات المفيدة) عليه أن يحصل على نسخة إن أمكن من كتاب فؤاد حمزة، والواقع أن ابنه عمر هو من أشرف على الإصدارين الأخيرين، وقد حزت بسبب صداقتي مع عمر على نسخة اعتز بتوفرها لي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.