بقلم يحي جابر – الرئيس الشهيد حي في القلوب والعقول

25

يحيي لبنان اليوم الذكرى السنوية الخامسة عشرة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري… حيث يقام اليوم الجمعة في «بيت الوسط» احتفال مركزي تتخلله كلمة للرئيس سعد الحريري…

الدعوة مفتوحة لجميع المحبين للمشاركة في الاحتفال وقد أعدت الترتيبات اللازمة لاستقبال المشاركين من المواطنين كافة كما أعد برنامج زيارة الوفود لضريح الرئيس الشهيد قبالة مسجد محمد الامين…

لا يخفي أحد، ان لبنان مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ليس كما بعده… ولا أحد ينكر الضغوط المتعددة العناوين والمضامين التي واجهت الرئيس سعد الحريري، ودفعته لقرار الاستقالة بعد انتفاضة 17 تشرين الاول الماضي.

كان واضحاً، ان خروج الرئيس سعد الحريري من السراي لم يكن اعتباطيا او مجرد تسجيل موقف، او التهرب من المسؤوليات، وهو يدرك خطورة الاوضاع التي تمر على المنطقة وتركت انعكاسات سلبية بالغة الدقة والخطورة على لبنان، سياسياً واقتصادياً ومالياً واجتماعياً ومعيشياً، حيث لم يعد خافياً على أحد، ان اكثر من نصف اللبنانيين باتوا تحت خط الفقر والعوز الأدنى…

ستكون للرئيس سعد الحريري كلمة بالمناسبة، وهو سيكون اكثر صراحة من الايام السابقة… وشعب لبنان، بغالبيته الساحقة، بات شعباً معذباً يفتقد أبسط مقومات الحياة اللائقة من الطبابة الى الاستشفاء الى المدارس الى لقمة عيشه… وشعب لبنان، لبنان هذا البلد الذي يوصف بأنه «أجمل بقعة على سطح الارض، يعيش الامرين على المستويات السياسية والاقتصادية والمعيشية».

ذهب رفيق الحريري، ذلك العملاق اللبناني – العربي، الذي لم يهدأ له بال، ولا خاطر وهو يتطلع الى ان يعود لهذا البلد («سويسرا الشرق») أمنه واستقراره ووحدته ونهضته على كل المستويات.

كان شهيد لبنان، يتطلع الى ان يكسر كل العراقيل ليبني على انقاضها وطناً يساوي بين الجميع في الحقوق والواجبات، وطناً يعود الى سيرته الاصلية معززاً، وشعبه، بالمجد والخلود، ويخرج من بلاطه «عباءات سلاطين» الزور والظروف الطارئة، الذين كانوا في أحد الاسباب محنة هذا البلد وأهله.

رفيق الحريري فارس لم يترجل عن حصانه يوماً، فتحول الى «قائد قدوة» وزعيم قضية وطنية، لا تميز بين فئة وأخرى، ومنطقة ومنطقة، لا على أساس الجغرافيا ولا على أساس اللون الديني والتنوعات المذهبية والاجتماعية… فكان لبنان، بشعبه كله قضية القضايا كلها، قضية التزم بها حتى الشهادة وهو يصرخ قائلاً «سجل أنا لبناني… فالعين انتصرت على المخرز، وهزأ الدم من المجرمين القتلة».

وقفات العز لم تفارق الرئيس الشهيد، ولم تكن غريبة عنه، وهو الذي خاض معارك ليست هينة لاحياء هذا البلد.

ذهب رفيق الحريري وجعاً وحزناً، ذهب امتعاضا وتذمراً احتجاجاً واستنكاراً لما واجهه في موقع مسؤوليته، وهو الذي اقسم على ان الدماء سترخص أمام الحفاظ على وحدة لبنان وشعبه… وهو، من عالم الخلود يسأل: الى متى ستبقى الطائفيات جاثمة على صدورنا وعقولنا والمذهبيات قابضة على وعينا ووجودنا… والوطن ينتظر يقظة ضمير العديد من كل هؤلاء الذين لا يهمهم سوى مصالحهم الشخصية والفئوية.

لا ننكر أيها الرئيس الشهيد ان الضمائر لم تستيقظ كفاية بعد، والوطن الحبيب لبنان لم ينهض مما دفع اليه، وهو لا يزال في سبات عميق، وغول الخصومات الفردية والفئوية يحط رحاله ،والعدو الصهيوني، يصفق باحثاً على جديد ليقتات به…

لقد رحل الرئيس الشهيد، وقد ترك لنا إرثاً لا يمكن تجاهله او القفز من فوقه… وأوجاع اللبنانيين تتراكم، ولوائح أسماء العابثين بأمن وسلامة واستقرار هذا البلد، تمثل قلقاً وهما لا مثيل لهما.

ليس المشهد اللبناني اليوم، ولا المشهد العربي ولا المشهد الدولي مناسبة لقراءة مبسطة تختزله عبارات مبسطة كالقول مثلاً: «نظرية المؤامرة» او نتاج «الغرف السوداء في دوائر صانعي القرارات… وان كان البعض من ذلك يشكل جزءاً من المشهد، غير ان اقتصاد الرؤى عليه يحذف شعب لبنان وارادته من المعادلة ويحول الدماء التي هدرت دفاعاً عن هذا البلد وأهله الى مياه لا لون ولا طعم لها…

الرئيس الشهيد رفيق الحريري لايزال حياً في قلوب وعقول من تعمق في قراءته ومتابعته ومرافقته عن كثب… وهو كان، ولايزال ضمانة انسانية – سياسية – وطنية – انسانية للخروج الى رحاب الحريات والديموقراطية، بما هي حقوق الافراد في الاجتماع والرأي والتعبير والانتخاب لانتقال السلطة وتناوبها، من اقفاص الطوائف والمذاهب والملل والعشائر والانتماءات المجزئة والمدمرة، الى رحاب الوطن الجامع، المانع، الى رحاب المجتمع المدني القائم على المسؤوليات والشفافية والمحاسبة والمساءلة وحقوق الانسان.

رحمك الله ايها الرئيس الشهيد… وقد آن الاوان ان نخرج من هذا المشهد المأسوي، ومن دوامة التذمر ويدخلنا في مواجهة جدية مع متطلبات المرحلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.