بقلم يحي جابر – الراعي يطوي طوق «الحياد» ويتمسّك بالإصلاح

46

يتقلب اللبنانيون على نيران ازماتهم الداخلية، المتداخلة مع حسابات ومصالح دول الخارج، الدولي والاقليمي، ويمضي البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي في توجيه اصابع الاتهام الى «المسؤولين عندنا» الذين لو تحملوا مسؤولياتهم، كما يجب وكما تقضي المصلحة الوطنية، لما كان وصل البلد واهله الى ما وصلوا اليه، حيث اضحى اكثر من نصف الشعب اللبناني تحت مستوى الفقر… وقد واصل تحذيراته من ان «لبنان يتعرض لانهيار اكبر ما لم يتفق المسؤولون السياسيون على تشكيل الحكومة الجديدة …»

ما لا شك فيه ان البطريرك الراعي «مرجعية روحية» يمتاز بانه لم يفصل بين السياسة والدين، وهو يواصل دعواته الاصلاحية الممكنة، وقد سلم بـ»الامر الواقع، وخصوصية لبنان» المتمثلين بتنوع التركيبة الوطنية وتعدد الانتماءات الطائفية والمذهبية ، كما والسياسية حتى داخل الطائفة الواحدة، وتحديدا المارونية، والموزعة بين «التيار الوطني الحر» و»القوات اللبنانية» و»الكتائب» و»المردة» واخرون في الاحزاب غير الطائفية…

رفع البطريرك الراعي شعار «حياد لبنان»، وهو الذي واصل تشديده على «تثبيت سيادة الدولة عبر جيشها، داخليا وعلى الحدود، وانهاء ازدواجية السلاح بين شرعي وغير شرعي…» وحل مشكلة النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين، «بمساعدة دولية…» ومع ذلك فلم يفصح عن مفهومه لهذه «الحيادية الايجابية « والية تنفيذها، داخليا ودوليا، خصوصا وان الساحة اللبنانية، كانت مازالت، تشهد «زحمة تدخلات دولية» (فرنسية واميركية وروسية وايرانية) كما ومهددة اسرائيليا، وعلى جميع المستويلت…

لم تلق دعوة الراعي الى « الحياد الايجابي «اية استجابة من المؤسسات اللبنانية الرسمية، كما لم تحظ بإحتضان شعبي، الامر الذي دفع الى وصف هذه الدعوة بأنها «حلم لا اكثر ولا اقل…» وردا على تجاهل المؤسسات الرسمية اللبنانية، وتحديدا رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس النواب، فقد طرق البطريرك باب الفاتيكان، مطلع كانون الاول الماضي، والتقى البابا فرنسيس لمدة ساعة، طالبا الدعم الرسولي لهذا المطلب، لكن شيئا من ذلك لم يحصل… رغم الانتظار الذي طال…؟!

الذين زاروا الصرح البطريركي في الاسابيع الاخيرة، لم يسمعوا من الراعي ما يدل على انه «متفائل» وماض في دعوته «الحيادية»، خصوصا و ان الواقع اللبناني والخارجي، مليء بالغموض… والتباينات الحاصلة على ارض الواقع، تجعل من المستحيل اتفاق الافرقاء، كما وسائر المؤسسات الرسمية، على هذا الطلب الراعوي، والتقدم به الى المرجعيات الدولية المختصة والمعنية… رغم خرقه ذلك من باب تسجيل المواقف، بإعلانه في عظة الاحد الماضي، مذكرا بالاسباب التي حملته على المطالبة بعقد مؤتمر دولي خاص بلبنان وبإعلان حياده …»؟!

الواضح ان «الحياد»، ان كان عاديا او «ايجابيا» هو نهج سياسي، نشأ بتأثير من الجو العام ، الذي كان يسود العلاقات الدولية، بسبب ما قيل انها «الحرب الباردة»، وقد تجسد بشكل عملي، اول مرة، في «مؤتمر باندونغ»، منتصف خمسينات القرن الماضي، وقد كان الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر اول من استعمل تعبير «الحياد الايجابي» سنة ١٩٥٦، في بريوني اليوغوسلافية، ثم ورد هذا المصطلح في البيان الصادر عن «مؤتمر القمة العربية» في ٢٧ شباط ١٩٥٧، ومن ثم انتشر على مدى واسع… مع الاشارة الى ان الدول المقرر حيادها الدائم هي النمسا وسويسرا…

يبقى السؤال الذي يراود البعض، في ضوء ما يحصل من تطورات، هل لايزال البطريريك على دعوته الى «الحياد الايجابي»، وهل يمتلك ما يكفي من ضمانات وامكانات لجمع الشمل اللبناني على هذا الطلب ام انه «طوى الصفحة»؟! بعدما لم يلق من الخارج الدولي سوى التشديد على اهمية تشكيل حكومة لبنانية، لمواجهة الازمات التي يعاني منها لبنان وتحقيق الاصلاحات المطلوبة…. وهو، اي الراعي، يتمسك بدعوة اللبنانيين الى «الصمود في ارضهم وعدم اعتماد الهجرة الى الخارج… حيث المطلوب هو تشكيل حكومة الصمود والاستمرار بالمطالبة بالاصلاح ومحاربة الفساد وقطع الطريق على مستغلي الانقسامات اللبنانية…».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.