بقلم يحي جابر – … تحديات لا سابق لها

44

على وقع ما يمكن ان يطاول لبنان من مخاطر ستترتب على »صفقة القرن« التي تقدمها واشنطن لاسرائيل لتسوية الصراع في الشرق الاوسط وما يمكن ان ينتج عنه من »توطين« للفلسطينيين في لبنان فلا يختلف اثنان على ان ما تشهده الساحة الداخلية اللبنانية، من تطورات سلبية لم يكن ابن ساعته، وهو غيض من فيض ما يعانيه هذا البلد من أزمات – سياسية واقتصادية ومالية واجتماعية بل ومعيشية.

لم يكن »الحراك الشعبي« الذي انطلق في 17 تشرين الاول الماضي »فوشة كيف« بل تعبير عن معاناة، عابرة لحدود الطوائف والمذاهب والمناطق اللبنانية كافة… ومن اسف، ان السلطات المسؤولة عن ايجاد الحلول، اختارت ان تقف في وجه هذا الحراك، او تدير ظهرها له، ورمت المسؤولية على كامل المؤسسات العسكرية والامنية، التي تصرفت، أقله حتى اليوم بحكمة بالغة… هذا مع الاشارة الى ان هذا الحراك، لم يبق خارج الصراعات السياسية وغير السياسية، وهو لا يملك خريطة طريق واحدة موحدة، وواضحة لانقاذ البلد من أزماته.

وقفت السلطات السياسية وجها لوجه، وقد غابت الملائكة وحط شياطين الفتن على الساحة… وهي، أي السلطات السياسية تدرك انها في موقع عدم الرضا من شريحة واسعة من اللبنانيين، ومحط انتقادات، داخلياً وخارجياً… وهذه حقيقة لا ينكرها الجميع، وقد كانت نتيجتها ما تشهده البلاد هذه الايام، خصوصاً وان »الحراك« لم يبق معصوماً عن ارتكاب الاخطاء الكبرى، حين راحوا بالمنحى الفوضوي والتخريبي، على نحو ما شهدته العاصمة بيروت واثار انتقاد الغالبية الساحقة من السياسيين والمرجعيات الروحية… فقدموا للسلطة خدمات لا تقدر بثمن.

»الحراك الشعبي« أمام منعطف بالغ الدقة والخطورة…

والسلطة، ممثلة بالحكومة الجديدة، والمجلس النيابي، والرئاستين الاولى والثانية أمام امتحان… على رغم انه يصعب تجاهل ما حصل من تحول سياسي مع انطلاقة »الحراك الشعبي« وهو تحول موزع بين الانتفاضة الشعبية ضد »الاكثرية الحاكمة« والدعوات لاجراء انتخابات نيابية مبكرة؟

بصرف النظر عن امكانية تجاوب السلطة مع الدعوات الى انتخابات نيابية مبكرة، فإن انجاز هذه الانتخابات وفق القانون الحالي، لن يحدث أي تغيير ايجابي… خصوصاً وان القاعدة في هذا البلد مختلفة عن سائر »الانظمة الديموقراطية« الحقيقية.

يتطلع عديدون، الى ما بعد انجاز اقرار الموازنة العامة، والبيان الوزاري، وقد أحدثت الحكومة العتيدة »خرقاً في الدستور«، على ما يرى العديد من الفقهاء وعلماء القانون، وليس من شك ان ما حصل، لا يعبر بالمطلق عن تطلعات اللبنانيين عموماً كما لا يعبر عن تطلعات »الحراك الشعبي« لترجمة مطالبهم الى وقائع… على رغم اعلان  رئيس الحكومة حسان دياب ان الوقت هو للعمل والحكومة تعبر عن تطلعات الحراكيين والمعتصمين وستعمل على ترجمة مطالبهم…

البلد يعيش، او يمر بمرحلة صعبة، قد تكون من بين أصعب ما مر به، وقد تراكمت المشاكل حتى أصبحت تحجب بصيص الأمل، كما أصيب البلد بوهن سياسي واقتصادي ومالي واجتماعي، بل وأمني، فتصدع سور الأمان، وأخشى ما يخشاه اللبنانيون، والعديد من دول الخارج، ان يتحول الوضع الى أزمة تصعب مواجهتها، وتكون المؤسستان العسكرية (الجيش) والامنية (قوى الامن الداخلي) في الواجهة.

تتقاطع قيادات المؤسسات العسكرية والامنية عند وصف ما آلت اليه الاوضاع، والبلد يمر بمرحلة دقيقة وصعبة للغاية، »بعدما حمل ربع العام 2019 الاخير تحديات لا سابق لها، لكل اللبنانيين من دون استثناء على الصعد كافة، مالية واقتصادية ومعيشية وسياسية، حتى صار كثيرون يستسهلون الحديث عن الانهيار وكأنه قدر لا مردّ منه، على ما يقول المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء عماد عثمان، الذي يؤكد ان 17 تشرين الاول 2019 »محطة حاسمة في تاريخنا« وبالتالي فإن ما بعدها لن يكون أبداً كما قبلها، باعتبار ان اللبنانيين الذين واجهوا اشكالا متعددة وموجعة من التحديات، وخرجوا منها أقوى، يواجهون هذه المرة تحديا في لقمة العيش… حتى صار كثيرون يحذرون من مجاعة آتية…«.

لقد خرق اللواء عثمان كل الاعراف والتقاليد، يوم نزل الى ساحة اعتصام الحراكيين، والتقى المتظاهرين الذين رفعوا اليه مطالبهم وشكواهم من استخدام القوى الامنية العنف بحقهم، بطريقة غير مسبوقة… وقد أكد بوضوح لا لبس فيه… »ان حرية التعبير مصانة بالدستور… والمطلوب منا جميعاً حماية الدولة والمؤسسات وبناء البلد…« وقد توجه الى المتظاهرين قائلاً: »التظاهر حق قانوني، أي التجمع السلمي، لكن عليكم التصرف بأخلاق ورقي… لأن العنف يولد العنف…« والغاية أهم من النزول الى الشارع وساحات الاعتصام…

ليس من شك في ان القوى العسكرية والامنية عندما تقوم بمهماتها، فهي مكلفة بعمل قانوني، وهذه السلطة القانونية، ليست وليدة مزاج، او كيفية، او ردات فعل، إنما هي نتاج ما تنص عليه القوانين والانظمة، هي تتطابق مع القسم الذي ينص على: »لن استعمل السلطة التي أعطيتها إلا في سبيل توطيد النظام وتنفيذ القانون…«.

الكرة هي في ملعب السلطات السياسية والادارية صاحبة القرار، كما هي في ملعب »الحراكيين«… ولا منة في خدمة الوطن والمواطن… والجميع يتطلع لأن تكون الأيام المقبلة »قيامة جديدة« لهذا الوطن ولهذا الشعب…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.