بقلم يحي جابر – «كوميديا شيطانية»… لا «إلهية»؟!

38

كأنه لا يكفي لبنان واللبنانيين ما حل بهم من ازمات وتعقيدات سياسية واقتصادية ومالية ومعيشية وصحية، بل ومصيرية، تضغط عليهم وتزداد، يوما بعد يوم… وعلى وقع التأزم الحكومي جراء العراقيل الرئاسية، اطل رئيس ما يسمى بـ»التيار الوطني الحر» (صهر الرئيس عون) جبران باسيل، على اللبنانيين، اول من امس الاحد، مطلقا مواقف اعادت اشتعال الساحة السياسية – الاعلامية، واستحضرت ردودا من القوى السياسية والحزبية والروحية…

ما أراد باسيل ان يوصله خلاصته «اننا هنا»، وان قضية لبنان صارت أبعد بكثير من قضية حكومة… ليقدم نفسه المنقذ من الداهية الدهياء والضلالة العمياء، والمنقذ الوحيد للمسيحيين في تركيبة السلطة اللبنانية، متعمدا عن «سابق تصور وتصميم» تهميش سائر «القوى المسيحية، السياسية والروحية» وفي مقدمهم البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، الذي يواصل «نداءاته الانقاذية وتحرير القرار اللبناني…» من قبضة الميليشيات والوصايات الداخلية والخارجية…

لا حاجة للغوص بعيدا في تفاصيل كلمة باسيل، التي قفزت الى ضفة تغيير النظام وبدائله، لمعرفة مصير الاستشارات النيابية – الحكومية، مدعيا، رغم العراقيل الرئاسية المتواصلة، التي تحول دون تشكيل الحكومة اللبنانية العتيدة، برئاسة الرئيس المكلف سعد الحريري، «اننا قدمنا كل التنازلات لدرجة عدم المشاركة بالحكومة… بشروط غير مقبولة»، راميا كرة العرقلة والتأخير على من يريدون العودة الى نغمة انهم يأخذون ولا يعطون… ليخلص الى تحديد املاء شروطه، لمنح الحكومة الثقة، من بينها رفع عدد الوزراء من ١٨ الى ٢٢ او ٢٤وزيرا، متمسكا بتسمية من يدعي انهم وزراؤه…؟!

ليس من شك في ان مطالعة باسيل الفضفاضة، اثقلت على الناس، خصوصا وانها ليست سوى تكرار لمواقف لا تحمل جديدا، ولا تفتح ثغرة واحدة في جدران «العرقلة العونية»، بل محاولة لدق الأسافين بين المسلمين والمسيحيين… والمسيحيون، على وجه العموم، يدركون ان حقوقهم محفوظة، ولا علاقة لها بحقوق ومصالح شخصية، لاي شخص كان… والمتابعون عن قرب، وعلى مدى سنوات يؤكدون ان ما قاله باسيل تزوير كامل للحقيقة، ومحاولة استغلال تمنيات اللبنانيين، وعلى وجه الخصوص المسيحيين منهم، وهم الذين في غالبيتهم الساحقة يؤكدون ان من يريد ان يتحدث عن حقوق المسيحيين، عليه، ان يرفع عاليا عنوان «الدولة المدنية» (دولة المواطنة) العادلة والمانعة والقادرة، التي تحفظ حقوق اللبنانيين، من غير تمييز بين مسلم ومسيحي… لا اللعب على اوتار العصبيات الطائفية والمذهبية، التي كلفت لبنان واللبنانيين اثمانا لا تقدر في حروب الداخل، وقد كان «المستقبل»، برئاسة الحريري على حق عندما خاطب باسيل قائلا: «يا جبران لن تنجح مهما سعيت الى دق الأسافين بين المسلمين والمسيحيين…»

الواضح من خلال الردود السريعة والمباشرة على ما قاله باسيل، ان الجميع لم يؤمنوا يوما بالمعايير التي اطلقها «التيار» العوني، الذي يسجل تراجعات شعبية بالغة الاهمية، وهم كانوا، لايزالون رافضين هذه الاجتهادات الباسيلية – العونية، التي تجاوزت كل المحرمات، وراحت بعيدا في خرق الدستور و»الطائف» وسائر الاتفاقات الوطنية، التي تحفظً – ولو بالحد الادنى – حقوق اللبنانيين، الذين يعانون الامرين جراء ما يلحق بهم من اضرار ناجمة عن سلوكيات العهد، السياسية والاقتصادية والمالية والصحية والمعيشية… وهم يرددون ما سمعوه قائلين «خذوا الحكمة ولو من أفواه المجانين..» وقد ادار العهد ظهره، متخليا عن ابسط الواجبات برفع العقبات من طريق تشكيل «حكومة مهمة» الانقاذية، من اصحاب الاختصاص والكفوئين ونظيفي الاكف، ومن غير الحزبيين.

من اسف ان ما سمعه اللبنانيون وعاشوه على مدى سنوات العهد لا يبشر بالخير، ولا يدفعهم الى التمديد، لاي سبب كان.. خصوصا وان الوعود بقيت حبرا على ورق، واضغاث احلام… انها «كوميديا شيطانية وليست كوميديا الهية»… واللبنانيون المحتاجون، امس قبل اليوم، واليوم قبل الغد، الى حكومة ترعى حقوقهم ومصالحهم وتحفظ أمنهم وسلامتهم، يؤسفهم أن يكون من دفعهم الى ما آلت اليه أوضاعهم المزرية، يحاضر بالعفة والتقوى والورع و الاصلاح…؟!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.