بقلم يحي جابر – وداعاً المفتي الميس… حي راسخ في القلوب

48

ودع قضاء زحلة، وسائر بلدات البقاع، بكثير من الالم، الفقيد الغالي، ابن بلدة مكسة، المفتي خليل الميس، الرجل  ولا كل الرجال ، الذي حفل تاريخه، وقد ناهز الثمانين عاما، بالجهد والاعمال والابحاث  المجدية والمجيدة، وتواصل الدعوات الى الحكمة والموعظة الحسنة… فكان مرجعية روحية – انسانية – وطنية – اجتماعية، لا تشوبها شائبة، متمسكا بنص وجوهر الرسالة الاسلامية، حيث «لا اكراه في الدين…» وبالحكمة والموعظة الحسنة، مكررا في مجالسه الخاصة والعامة: اعرفوا الحق والحق يحرركم، فلا تظلموا ولا تظلموا، ولا يأخذكم الغلو لتنالوا من اي اخر، لا يرى رأيكم…»

انجازات صاحب السماحة، لا تعد ولا تحصى، وعلى المستويات كافة، وهو العلامة  ابن «الازهر الشريف» في مصر، وقد سطع نجمه من اول شبابه، حيث ساهم في تأسيس «ازهر لبنان» وتولى رئاسته لسنوات، وهو العضو الممثل للبنان لدى «مجمع الفقه الاسلامي»، التابع لـ»منظمة المؤتمر الاسلامي» في جده، والاستاذ المحاضر في «كلية الشريعة الاسلامية» في بيروت، والمعهد العالي للدراسات الاسلامية، التابع لـ»جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية…» كما شارك في العديد من المؤتمرات العلمية المتخصصة، في العديد من «الدول العربية والاسلامية..» وهو الاستاذ – العلامة المحاضر، حيث انجز عددا من الكتب في «الفقه الحنفي» وسجل انجازات عالية المستوى في البحوث العلمية الفقهية…

في احلك وامر الظروف التي مر بها لبنان، ولم يبق البقاع، المتنوع والمتعدد الانتماءات الدينية والطائفية والمذهبية والحزبية والسياسية، بعيدا عنها وعن تداعياتها السلبية، فقد سجل للمفتي الميس، ابن العائلة الكريمة الموزعة بين اكثر من بلدة، دور بالغ الاهمية والمسؤولية، في وأد الفتن التي حاول البعض اشعالها، وهو الذي كان يكرر امام زائريه والملتقين به، في دارته ام في المساجد، الحديث النبوي الشريف: «سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الامين، وينطق فيها الرويبضة..» («الرجل التافه يتحدث في امور العامة»)…

مرجعية دينية – انسانية – وطنية، منفتح على الجميع من غير استثناء، ولا يتوقف عن تقديم اية اعانة، صريح وبالغ الدلالة، وقد عايش الايام المريرة التي مرت على لبنان، ولم يبق البقاع بعيدا عنها، وقد وجه اصابع الاتهام الى «الدولة وقد انحرف بها اهل الحكم، وبات الناس، من غير تمييز، يعانون المرارات، وعلى جميع المستويات، الانسانية والمعيشية والاجتماعية والخدماتية، وهو ضحية الفساد المستشري والصفقات والسمسرات والخوات وتبادل المهام، على وقع اللعب على اوتار التفرقة الدينية والطائفية والمذهبية، بل والعائلية، ولم يصمت يوما او يساير احدا، ولسان حاله يردد ما نص عليه القران الكريم من دعوات من بينها «ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا، كل حزب بما لديهم فرحون…»

القاعدة الاساسية التي يستند المفتي الميس، رحمه الله، وجعل الجنة مأواه هي «لا اكراه في الدين…» والقدوة الصالحة متمثلة بالنص القرآني في الاية ٢٨٠ من سورة البقرة: «امن الرسول بما انزل اليه من ربه، والمؤمنون كل امن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين احد من رسله، وقالوا سمعنا واطعنا غفرانك ربنا واليك المصير…».

هي سنة الله في خلقه ، وكل من عليها فان، «ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام» وقد ترك سماحته الدنيا الفانية، مخلفا وراءه ثروة سلوكية وفكرية وعلمية وادبية لا تقدر بثمن، وهي امانة يحتفظ بها كل من عرف المفتي الميس وعايشه من قريب او بعيد… وهو القدوة الصالحة التي يعتز بها كل من تواصل معه، وقد لمع نجمه في احلك الظروف التي مر بها البقاع، وسائر البلدات والمناطق اللبنانية…

رحمك الله يا سماحة المفتي خليل الميس، واسكنك فسيح جناته، وانت حي لا تموت في قلوب وضمائر كل من عرفك وتواصل معك، ونال بركتك ورضاك…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.