بين الاعتراف والملاحقة: هل يُراد لسلامة أن يبقى كبش فداء؟

17

بقلم د. ابراهيم العرب
بعد المقابلة الأخيرة التي أجراها الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة عبر شاشة «العربية»، والتي فجّر فيها روايته الكاملة حول ما سمّاه «فساد المنظومة السياسية – المصرفية» ومسؤولية الحكومات المتعاقبة والمصارف عن الانهيار المالي، عاد اسمه سريعاً إلى واجهة الأحداث، ولكن هذه المرة من باب ملاحقة قضائية جديدة، أثارت أكثر من علامة استفهام حول توقيتها وخلفياتها ومسارها.
فبعد فترة وجيزة على المقابلة، أعلن حاكم مصرف لبنان الجديد كريم سعيد الادعاء على رياض سلامة وشقيقه رجا، بجرم «الإثراء غير المشروع» عبر أربع شركات وهمية، في خطوة وُصفت بأنها بداية «مسار محاسبة شاملة». غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة هو: لماذا الآن؟ ولماذا لم يتحرك حاكم المصرف المركزي، ولا السلطة النقدية ككل، قبل مقابلة سلامة التي كسرت، للمرة الأولى، السردية الأحادية التي حُمّل فيها الرجل وحده وزر الانهيار؟ فلا يمكن فصل التوقيت عن مضمون المقابلة. إذ إن رياض سلامة، الذي التزم الصمت طويلاً، خرج ليقدّم رواية مضادة، توسّع دائرة المسؤولية، وتكسر منطق «الشيطنة المتعمدة». تحدّث فيها عن تقارير وصفها بالمزوّرة، وعن استنسابية في احتساب ثروته، وعن تجاهل متعمّد لمسيرته المهنية الطويلة في «ميريل لينش» قبل توليه حاكمية مصرف لبنان. والأهم، أنه سمّى مسؤولين سياسيين وحكومات محددة، واتهمها مباشرة باتخاذ قرارات كارثية، أبرزها التخلف عن سداد اليوروبوند، وتحميل مصرف لبنان ما لا يحتمل من أعباء الدولة.
هذه الرواية، سواء اتُّفق معها أم لا، أحدثت شرخاً في الخطاب السائد، وطرحت سؤالاً كان مؤجلاً: هل الانهيار نتيجة شخص واحد، أم نتيجة منظومة حكم كاملة، سياسية ومالية وإدارية؟ وهنا تحديداً، برزت الملاحقة الجديدة، وكأنها ردّ فعل دفاعي أكثر منها مساراً طبيعياً بدأ منذ تسلّم الحاكم الجديد مهامه.
إن خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في شخص رياض سلامة، بل في تكريس سابقة خطيرة في إدارة العدالة: عدالة انتقائية، ظرفية، تُفعَّل حين يتكلم المتهم، وتُجمَّد حين يصمت الآخرون. فمقالي هذا لا يهدف إلى تبرئة رياض سلامة، ولا إلى إدانته مسبقاً، بل إلى التأكيد أن العدالة لا تُبنى عبر الإعلام، ولا عبر مؤتمرات صحافية، ولا عبر توقيت مدروس سياسياً، بل عبر تحقيق قضائي مستقل، شامل، ومتدرّج، يطال جميع الأطراف بلا استثناء.
فإذا كان مصرف لبنان اليوم حريصاً فعلاً على استعادة الأموال المنهوبة، فلماذا لم تُفتح كل الملفات دفعة واحدة؟ لماذا لم يُستدعَ الوزراء الذين وقّعوا على الموازنات، والحكومات التي راكمت العجز، والمصارف التي حققت أرباحاً خيالية من الاكتتاب بالدين العام، والجهات التي استفادت من الهندسات المالية؟ ولماذا بدا أن سهام الادعاء تتجه مجدداً إلى الشخص نفسه، فور خروجه عن الصمت؟
من أبرز ما قاله سلامة، ويمثّل جوهر النزاع القانوني والسياسي، تأكيده أن مصرف لبنان لم يكن المموّل المباشر للدولة من أموال المودعين، بل إن المصارف التجارية كانت الدائن الأساسي للدولة، وهي التي اكتتبت بالدين، وروّجته، واستفادت من فوائده المرتفعة. هذه النقطة، إن ثبُتت قضائياً، لا تبرّئ أحداً، لكنها تقلب المعادلة القانونية، وتفرض إعادة توزيع المسؤوليات، لا اختزالها.
كما أن إشارته إلى أن أموالاً ضخمة وُضعت بعهدة الحكومات، وأن العجز المتراكم منذ أكثر من ثلاثين عاماً هو السبب البنيوي للانهيار، تتقاطع جزئياً مع ما أعلنه الحاكم الجديد نفسه حول إعداد تقرير لحصر الأموال التي دفعتها أو أودعتها الحكومات لدى مصرف لبنان. وهنا تكمن المفارقة: إذا كان التشخيص واحداً، فلماذا يقتصر الاتهام على شخص دون سواه؟ ولماذا لا يُترجم هذا التشخيص إلى مسار قضائي شامل يطال الجميع؟
إن اللبناني اليوم، وخصوصاً المودع المنكوب، لا تعنيه المعارك الشخصية ولا صراع الروايات. ما يعنيه هو الحقيقة الكاملة: من قرر؟ من استفاد؟ من غطّى؟ من صمت؟ ومن حمى المنظومة طوال سنوات؟ فاستعادة الثقة لا تكون عبر تقديم «كبش فداء» دوري، بل عبر كسر حلقة الإفلات من العقاب.
إن تحويل رياض سلامة إلى «كبش فداء» دائم، كما وصف نفسه، قد يريح ضمير منظومة سياسية – مالية كاملة، لكنه لا يبني عدالة، ولا يعيد أموالاً، ولا يستعيد ثقة داخلية أو خارجية. فالعدالة الحقيقية تبدأ حين تُفتح كل الملفات، بلا استثناء، وبلا توقيت سياسي، وبلا حسابات إعلامية. وإلى أن يحصل ذلك، سيبقى السؤال معلّقاً في وجدان اللبنانيين: هل نحن أمام مسار محاسبة حقيقي يؤسّس لدولة قانون، أم أمام فصل جديد من إدارة الأزمة عبر شخصنة الذنب، كلما اقتربت الحقيقة من الظهور؟
د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.